ومحل (دابة) الرفع بالابتداء [1] ، وقد ساغ الابتداء بها لكونها نكرة واقعة في سياق النفي مصحوبة ب (مِن) التي تفيد استغراق الجنس، فهي عامة تشمل كل ما يدب على الأرض [2] . وقوله (إلا أمم) خبر (دابة) [3] ، وجمع الخبر وإن كان المبتدأ مفردا حملا على المعنى؛ لأن المفرد هنا للاستغراق [4] .
ومن ذلك أيضًا ما جاء في قوله - جل ذكره: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32] .
ذكر أبو السعود أن (بَرًّا) قرئت (بِرٍّ) بكسر الباء وتنوينها تنوين جر [5] . وقد ذكر أبو السعود أن نصب (برا) إنما هو للعطف على قوله (مباركا) ، أي: جعلني بارًّا بها [6] .
وقد ذهب البعض إلى تضعيف عطفه على (مباركا) لما فيه من الفصل بين المتعاطفين (مباركا) و (بَرًّا) بجملة (أوصاني) ومتعلقاتها، ورأى أن الأولى من النصب بالعطف النصب بإضمار فعل أي: وجعلني برَّا [7] .
وأما قراءة الجر وكسر الباء (بِرٍّ) فقد جعلها أبو السعود - كغيره من العلماء - عطفا على (الصلاة والزكاة) ، والتنكير فيها للتفخيم [8] ، فالمعنى: وأوصاني بالصلاة والزكاة وبرٍّ بوالدتي [9] .
وكذلك ما جاء في قوله - عز اسمه: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] .
فقد قرئت (لؤلؤا) بالنصب والجر [10] . وقد ذكر أبو السعود - رحمه الله - أن نصب (لؤلؤا) لعطفه على محل (من أساور) [11] ، و (من) مزيدة فيها [12] ، وأما الجر فللعطف على لفظ (أساور) [13] ، أي: يحلون فيها بأساور مصنوعة من الذهب ويحلون باللؤلؤ [14] .
(1) التبيان للعكبري 1/ 345، اللباب لابن عادل 8/ 122، إعراب القرآن الكريم للقاضي ص: 261.
(2) البحر لأبي حيان 4/ 124.
(3) اللباب لابن عادل 8/ 122، إعراب القرآن للقاضي ص: 261.
(4) البحر لأبي حيان 4/ 125.
(5) انظر: تفسير أبي السعود 4/ 558. وفتح الباء والنصب قراءة الجمهور، وأما قراءة الخفض فقد أوردها العكبري دون عزو. انظر: التبيان 2/ 161، البحر لأبي حيان 6/ 177.
(6) تفسير أبي السعود 4/ 558، وانظر: معاني الزجاج 3/ 329، المحرر الوجيز لابن عطية 4/ 15، التبيان للعكبري 2/ 161.
(7) البحر لأبي حيان 6/ 177.
(8) تفسير أبي السعود 4/ 558. وانظر: المحرر الوجيز لابن عطية 4/ 15، التبيان للعكبري 2/ 161، البحر لأبي حيان 6/ 177.
(9) إعراب النحاس ص: 565.
(10) قرأ نافع وأبو جعفر وعاصم ويعقوب بنصب اللؤلؤ وبالباقون بجره. انظر: تحبير التيسير لابن الجزري ص:470.
(11) انظر: تفسير أبي السعود 5/ 18، وقد جوز في نصبه أوجه أخرى يرجع إليها.
(12) الدر للسمين 8/ 253.
(13) تفسير أبي السعود 5/ 18، وانظر: حجة القراءات لأبي زرعة ص:474، معاني الزجاج 3/ 420، الدر المصون للسمين 8/ 254.
(14) انظر: حجة القراءات لأبي زرعة ص:474.