وقد ذكرت أوجه أخرى لقراءة رفع (الحق) لم يذكرها أبو السعود - رحمه الله - منها أن يرتفع خبر مبتدأ مضمر، أي: هو، ما أوحيناه إليك، أو مبتدأ خبره مضمر، أي: الحق ذلك [1] .
ومما تعددت علامته في باب النعت أيضا ما جاء في قوله - تعالي-: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 23] .
اختلفت قراءة (غيره) فقرئت مرة بالرفع - وعليه المشهورة - وأخرى بالجر [2] ، إجراءً لها مرة على محل (إله) ومرة على لفظه [3] .
قال أبو السعود:"و (غيره) بالرفع صفة ل (إله) باعتبار محله الذي هو الرفع على أنه فاعل، أو مبتدأ خبره (لكم) أو محذوف و (لكم) للتخصيص و التبيين أي: ما لكم في الوجود أو في العالم إلهٌ غيره تعالى. وقرئ بالجر باعتبار لفظه" [4] .
ومنه أيضًا ما جاء في قوله - تبارك اسمه-: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} [سبأ: 5] .
فقد قرئت كلمة (أليم) مرة بالرفع - وهي القراءة المشهورة - وأخرى بالجر [5] . أما قراءة الرفع فعلى أنها صفة العذاب، وأما الجر فعلى أنها صفة الرجز، والرجز مطلق العذاب [6] .
قال أبو السعود - رحمه الله-:" (أليم) بالرفع صفة (عذاب) ، أي: أولئك الساعون لهم عذاب من جنس سوء العذاب شديد الإيلام. وقرئ (أليم) بالجر صفة ل (رجز) " [7] .
وقد فضل بعض المعربين قراءة الجر؛ فالتقدير على قراءة الرفع: عذاب أليم من عذاب، وهذا معنى غير متمكن، وأما قراءة الجر فالتقدير عليها: لهم عذاب من عذاب أليم، أي: من هذا الصنف من أصناف العذاب، لأن العذاب بعضه آلم من بعضه، فهو أصح في التقدير والمعنى، وعليه الجماعة [8] .
(1) انظر: اللباب لابن عادل 12/ 497.
(2) انظر: تحبير التيسير لابن الجزري/474، 475، القراءات العشر المتواترة لجمال الدين شرف ص:343.
(3) إعراب القرآن للدرويش 5/ 194.
(4) تفسير أبي السعود 5/ 58، وانظر: روح المعاني للألوسي 18/ 24.
(5) قرأ ابن كثير ويعقوب وحفص عن عاصم بالرفع، وبقية القراء على الجر. انظر: النشر لابن الجزري ص:349، التلخيص للطبري ص:373.
(6) التبيان للعكبري 2/ 274. وانظر: في معنى الرجز تحفة الأريب لأبي حيان مادة (ر ج ز) ص:41.
(7) تفسير أبي السعود 5/ 437.
(8) انظر: الكشف لمكي 2/ 201، 202.