وبالرغم من محاولة دفع أبي السعود لما قد يرد على هذا الوجه من معنى غير مراد إلا أنني أحسب أن نصبها نعتا لمصدر أو ظرف محذوف أقرب إلى الفهم من نصبها حالا مع إدراك تلك النكتة.
وقد نقل بعض المفسرين وجها آخر في نصب (قليلا) حيث تكون نعت مصدر محذوف لقوله (ولا تتبعوا) على أن المعنى: ولا تتبعوا من دونه أولياء اتباعا قليلا [1] .
ورُدّ عليه بأنه ضعيف؛ لأنه يصير مفهومه أنهم غير منهيين عن اتباع الكثير، ولكنه معلوم من جهة المعنى، فلا مفهوم له [2] .
ومما تعدد فيه النصب بين النعت والحال قوله - عز وجل-: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 69] .
قال أبو السعود - رحمه الله:" (حلالا) حال من المغنوم أو صفة للمصدر، أي: أكلا حلالا، وفائدته الترغيب في أكلها. وقوله (طيبا) صفة ل (حلالا) مفيدة لتأكيد الترغيب" [3] .
ف (حلالا) إما منصوبة على الحال من (ما) الموصولة أو من عائدها إذا جعلت اسمية، أو على أنها نعت لمصدر (فكلوا) المحذوف [4] .
(9) التوكيد والمفعول به:
جاء ذلك التعدد في قوله - تبارك اسمه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] .
ذكر أبو السعود - رحمه الله - أن قوله (أنفسهم) يحتمل النصب على أن يكون توكيدا معنويا ل (الناس) أو على أن يكون مفعولا به مقدما ل (يظلمون) .
قال - رحمه الله-:"قوله (أنفسهم) إما تأكيد ل (الناس) فيكون بمنزلة ضمير الفصل في قوله - تعالى-: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76] في قصر الظالمية عليهم. وإما مفعول ل (يظلمون) حسبما وقع سائر المواقع، وتقديمه عليه لمجرد الاهتمام به مع مراعاة الفاصلة" [5] .
(1) انظر: اللباب لابن عادل 9/ 12، روح المعاني للألوسي 8/ 78.
(2) اللباب لابن عادل 9/ 12.
(3) تفسير أبي السعود 3/ 341.
(4) انظر: الدر المصون للسمين 5/ 639.
(5) تفسير أبي السعود 3/ 504.