ومن شواهد هذا التعدد ما جاء في قوله - جل ذكره-: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] .
ذكر أبو السعود - رحمه الله - أن (قليلا) منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف والتقدير: تذكُّرا قليلا تذكرون، أو نعت لظرف زمان محذوف والتقدير: زمانا أو وقتا قليلا تذكرون لا كثيرا، فالمصدر أو الظرف منصوب بالفعل بعده قُدم عليه للقصر، و (ما) مزيدة لتوكيد القلة [1] .
قال بعض المفسرين:" (ما) مزيدة لتأكيد القلة لأنها تفيدها في نحو: (أكلت أكلا ما) فهي هنا قلة على قلة، والظاهر من القلة معناها، وجوز أن يراد بها العدم كما قيل في قوله - تعالى-: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] [2] ."
وقد عقب البعض على هذا التوجيه في نصب (قليلا) بقوله:"وهذا إعراب جليّ" [3] .
وثاني الوجهين في نصب (قليلا) عند أبي السعود هو أن يكون منصوبا على أنه حال من فاعل (تتبعوا) ، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر مرفوع ب (قليلا) على الفاعلية والتقدير: لا تتبعوا من دونه أولياء قليلا تذكُّرُكم [4] .
وقد اعترض على هذا الوجه بأنه لا طائل تحت معناه [5] ، بل إن البعض لم يجزه فقال:"ولا يجوز أن يكون (قليلا) حالا من فاعل (تتبعوا) و (ما تذكرون) مرفوعا به؛ إذ يصير المعنى: أنهم نُهوا عن الاتباع في حال قلة تذكرهم، وليس ذلك بمراد" [6] .
واحترازا عن ورود ذلك المعنى قال أبو السعود ضابطا دلالة نصب (قليلا) على الحال وارتفاع ما بعده فاعلا له:"لكن لا على توجيه النهي للمقيد فقط كما في قوله - تعالى-: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] ، بل إلى المقيد والقيد جميعا، وتخصيصه بالذكر لمزيد تقبيح حالهم بجمعهم بين المنكرين" [7] .
(1) تفسير أبي السعود 3/ 158، وانظر: معاني الزجاج 2/ 316، إعراب النحاس ص: 297، مشكل مكي 1/ 304، روح المعاني للألوسي 8/ 77، 78.
(2) روح المعاني للألوسي 8/ 78.
(3) اللباب لابن عادل 9/ 12.
(4) تفسير أبي السعود 3/ 158.
(5) انظر: روح المعاني للألوسي 8/ 78.
(6) انظر: اللباب لابن عادل 9/ 12، 13.
(7) تفسير أبي السعود 3/ 158.