وأحسب أن نصب (عيدا) خبرا ل (كان) أولى بالمقام؛ لأن المستفاد من جعل (لنا) خبرا هو خصوصية المائدة بهم وعدم كونها لغيرهم، وهذا معلوم من الآيات السابقة، لأنهم طالِبوها ولن تنزل إلا عليهم، وإنما المقصود الإخبار بأن تكون عيدا فيكون نزولها عليهم معظما في ذاته وفي دوران موعده. والله عنده علم الكتاب [1] .
(2) المفعول به والظرف:
من هذا التعدد ما جاء في قوله - عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 183، 184] .
تعدد نصب (أياما) بين أن تكون مفعولا به أو ظرفا، واختلف في عامل النصب قال أبو السعود:" (أياما معدودات) مؤقتات بعدد معلوم أو قلائل ... وانتصابه ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصل بينهما بأجنبي، بل بمضمر دل هو عليه، أعني: صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعا، وقيل: بقوله تعالى: (كُتِب) على أحد الوجهين، وفيه أن الأيام ليست محلا له بل للمكتوب فلا تتحقق الظرفية ولا المفعولية المتفرعة عليها اتساعًا" [2] .
ذكر أبو السعود في نصه السابق أربعة أوجه:
أولها: أن تكون (أياما) منصوبة ب (الصيام) ، وهو اختيار الزمخشري، ومثل له بقولك: نويت الخروج يوم الجمعة [3] . وقد رده أبو السعود وغيره من النحاة لما فيه من الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي؛ فقد فصل بين (الصيام) و (أياما) بقوله: (كما كتب) وهو ليس معمولا للمصدر على أي تقدير [4] .
فإن قيل: يجعل (كما كتب) صفة للصيام - وذلك على رأي من يجيز وصف المعرف (بأل) الجنسية بما يجرى مجرى النكرة - فلا يكون أجنبيا، قيل: يلزم من ذلك وصف المصدر قبل ذكر معموله، وهو ممتنع [5] ؛ لأن المصدر إذ وصف لا يعمل، وكذلك اسم الفاعل [6] .
(1) انظر: زاد المسير لابن الجوزى ص: 420.
(2) انظر: أبا السعود 1/ 349.
(3) انظر: الكشاف 1/ 205.
(4) انظر: التبيان للعكبرى 1/ 118، الدر للسمين 2/ 269.
(5) انظر: الدر للسمين 2/ 269، اللباب لابن عادل 3/ 254.
(6) التبيان للعكبرى 1/ 118.