ومثل ما سبق ما جاء في قوله: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35] .
ذكر أبو السعود في رفع (إعراضهم) وجهين:
الوجه الأول: أن يكون فاعلا ل (كبر) ، قدم عليه الجار والمجرور للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، والجملة الفعلية (كبر عليك إعراضهم) في محل نصب خبر ل (كان) مفسرة لاسمها الذي هو ضمير الشأن [1] .
وجملة (إن كان كبر) شرط جوابه الشرط الثاني المصدر بالفاء وهو محذوف الجواب، وأصل التركيب: فإن كان الشأن كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا أو سلمًا فافعل [2] . وفي الآية دليل على أن خبر كان وأخواتها يكون ماضيا ولا يحتاج فيه إلى تقدير (قد) [3] لكثرة ما ورد من ذلك في القرآن الكريم وكلام العرب نظما ونثرا [4] . وذهب بعضهم إلى اختصاص (كان) بذلك ومنعه في غيرها من أخواتها إلا ب (قد) ظاهرة أو مقدرة [5] .
التوجيه الثاني: أن يرفع (إعراضهم) اسما ل (كان) مؤخرا، (كبر) رافع لضمير مستتر عائد على الإعراض، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) مقدم على اسمها [6] .
ف (إعراضهم) مرفوع ب (كان) واستتر في (كبر) ضميره، وعلى الوجه الأول مرفوع ب (كبر) فلا ضمير ولا استتار، تماما كما في قوله: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} [الأعراف: 137] .
وقد وقع الخلاف بين النحاة في أمثال ذلك لوقوع خبر (كان) جملة، فاختلفوا في تقديمه وتأخيره على أقوال [7] ، ومنع بعضهم تقديم خبرها إذا كان جملة فعلية رافعة لضمير مستتر عائد على اسمها [8] .
ذلك لأن الذي استقر في باب كان أنك إذا حذفتها عاد اسمها وخبرها إلى المبتدأ والخبر ولو أسقطتها من: كان يقوم زيدُ، على أن يكون (يقوم) خبرا مقدما، فقلت: يقوم زيدُ، لم يرجع إلى المبتدأ والخبر [9] .
(1) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 41. وانظر: المحرر لابن عطية 2/ 288.
(2) انظر: البحر لأبي حيان 4/ 119، اللباب لابن عادل 8/ 117.
(3) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 41.
(4) البحر لأبي حيان 4/ 119.
(5) انظر: الدر للسمين 4/ 608، اللباب لابن عادل 8/ 117.
(6) انظر: أبي السعود 3/ 41.
(7) انظر: البحر لأبي حيان 4/ 119، الدر للسمين 4/ 608.
(8) انظر: شرح التسهيل لابن مالك 1/ 355، همع الهوامع للسيوطي 1/ 374.
(9) قاله ابن عصفور. انظر: همع الهوامع للسيوطي 1/ 375.