ويظهر لي أن السبب وراء كثرة هذا النوع من التعدد أن الخبر والنعت أخوان، فالصفات قبل العلم بها أخبار، والأخبار بعد العلم بها صفات [1] ، ولكن التركيب يتطلب أحدهما دون الآخر في بعض الأحيان تبعا لما يقتضيه السياق والمقام، ويجعلهما كليهما على درجة واحدة من الجواز متى زال المانع وتسامح التركيب.
(6) الفاعل واسم كان:
من شواهده ما جاء في قول الله - عز وجل: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137] .
ذكر أبو السعود في قوله (ما كان يصنع فرعون) توجيهات اختلف إعراب (فرعون) تبعا لكل وجه منها، فمرة رفع اسما ل (كان) ، وأخرى فاعلا ل (يصنع) [2] .
فالتوجيه الأول: أن تكون (ما) موصولا اسميا، و (كان) ناقصة، و (فرعون) اسمها مؤخر، و (يصنع) فيه ضمير يعود على (فرعون) ، وجملة (يصنع) خبر (كان) قدم على اسمها [3] ، والتقدير: ودمرنا الذي كان فرعون يصنعه [4] . والجملة الكونية صلة (ما) والعائد محذوف [5] .
على أن بعض النحاة قد ضعف هذا الوجه؛ لأن (يصنع) يصلح أن يعمل في (فرعون) فلا يقدر تأخيره كما لا يقدر تأخير الفعل في قولك: قام زيد [6] . يعني أن قولك: (قام زيد) يجب أن يكون من باب الفعل والفاعل، ولا يجوز أن يُدعى فيه أن (قام) فعل وفاعل، والجملة خبر مقدم، و (زيد) مبتدأ مؤخر لأجل اللبس بباب الفاعل، فكذا الآية موطن الشاهد؛ فإن (يصنع) يصح أن يتسلط على (فرعون) فيرفعه فاعلا، فلا يدعى فيه التقديم [7] .
قال مكي:"ويلزم من يجيز هذا أن يجيز: (يقوم زيد) على الابتداء والخبر والتقديم والتأخير، ولم يجزه أحد" [8] . ورد البعض على هذا بأن المانع من التقديم والتأخير في (قام زيد) هو اللبس، وهو مفقود في الآية، فليس ثمة لبس [9] .
(1) انظر: السابق 6/ 469.
(2) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 234.
(3) انظر: البيان للأبنارى 1/ 373، التبيان للعكبرى 1/ 404.
(4) تفسير أبي السعود 3/ 234، الدر للسمين 5/ 439، اللباب لابن عادل 9/ 290.
(5) الدر للسمين 5/ 439.
(6) التبيان للعكبرى 1/ 404. وانظر: مشكل مكي 1/ 328.
(7) انظر: الدر للسمين 5/ 440، اللباب لابن عادل 9/ 291.
(8) مشكل مكي 1/ 329.
(9) انظر: الدر للسمين 5/ 440، اللباب لابن عادل 1/ 291.