فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 519

فقال - عز وجل مرغبا ومرهبا: (وربك الغنى) فحصر الخبر في المبتدأ، فوحده هو الغنى المطلق عن كل عابد وعبادته، (ذو الرحمة) وحده بإمهال العصاة وتأخير الانتقام منهم، فلا رحمة إلا من الله، ولا موصوف بغنى إلاه [1] .

ثم سيقت الشرطية تأكيدًا لهذا المعنى وإظهارًا لقدرة الله التامة وغناه المطلق [2] ؛ حيث علق الإذهاب في قوله: (إن يشأ يذهبكم) بفعل المشيئة لئلا يظن ظان أن الإهلاك متوقف على شيء غير مشيئته - عز وجل - فقضى بالإمهال رحمة لهم وإكراما للنبي - صلى الله عليه وسلم - [3] .

والمعنى لا يكون بهذه الدرجة من القوة والثبوت على جعل (الغنى ذو الرحمة) وصفين؛ لأن الصفات حقها أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند السامع [4] ، وسورة الأنعام مكية نزلت لخطاب أهل كفر مشركين لا يعرفون الله - عز وجل - ولا عن صفاته شيئا. والله أعلى وأعلم بمراده.

ومن شواهد الخبر والنعت كذلك ما جاء في قوله - عز اسمه: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الدخان: 6 - 8] .

ذكر أبو السعود - رحمه الله - في رفع (ربكم) عدة أوجه [5] :

أولها: أن يكون مرفوعا خبرا لمبتدأ محذوف تقديره (هو) [6] ، والجملة مستأنفة لا محل لها مقررة لما قبلها من المعاني [7] .

وثانيها: أن يكون بدلا من (رب السماوات) على قراءة من قرأ برفعه [8] .

والوجهين الأخيرين: أن ترفع عطف بيان أو نعتا ل (رب السماوات) أيضًا على قراءة الرفع [9] . وقد ضعف أبو السعود وجها نقله دون نسبة؛ حيث صدّره بصيغة التمريض، قال:"وقيل: فاعل ل (يميت) وفي"

(1) انظر: نظم الدرر للبقاعى 7/ 275.

(2) انظر: المحرر لابن عطية 2/ 347، البحر لأبى حيان 4/ 228.

(3) انظر: الدرر للبقاعى 7/ 276.

(4) ذكره أبو السعود في غير ما موضع، انظر: مثلا 6/ 468، 469.

(5) انظر: تفسير ابن السعود 6/ 103.

(6) السابق الموضع نفسه، وانظر: التبيان للعكبرى 2/ 322، إعراب القرآن الكريم للقاضي ص:989.

(7) انظر: تفسير أبى السعود 6/ 103.

(8) الرواية المشهورة على جر لفظة (رب) وبه قرأ الكوفيون، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالرفع. انظر: الكشف لمكي 2/ 264، زاد المسير لابن الجوزى ص: 1288.

(9) انظر: فتح القدير للشوكانى ص: 1349، روح المعاني للألوسي 25/ 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت