من ذلك ما جاء في قوله - تبارك وتعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133] .
ذكر أبو السعود في إعراب قوله: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} وجهين [1] :
الوجه الأول: أن يكون (ربك) مرفوع بالابتداء، (الغنى) خبره [2] ، أي: إن الله هو المعروف بالغنى عن كل ما سواه كائنا من كان وما كان، فيدخل فيه غناه عن العباد وعن عبادتهم [3] .
وعلى هذا يكون (ذو الرحمة) خبرًا آخر [4] ، وذهب البعض إلى أن (ذو الرحمة) صفة [5] ، والشرطية {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} إما أن تكون خبرًا ثالثًا وإما أن تكون استئنافًا لا محل له [6] .
ثاني الوجهين: أن يكون (الغني) صفة المبتدأ (ربك) ، و (ذو الرحمة) هو الخبر [7] ، وتكون الشرطية خبرًا ثانيًا أو استئنافا [8] .
وقد وردت توجيهات أخرى للآية الكريمة ضرب أبو السعود عنها الذكر صفحًا:
أولها: أن يكون (ربك) مبتدأ و (الغنى) و (ذو الرحمة) صفتين، وجملة (إن يشأ) هي الخبر [9] .
ثانيها: أن يكون (ربك) مبتدأ، و (الغنى) و (ذو الرحمة) والشرطية أخبار ثلاثة عنه [10] .
وإني لأحسب أن أوفق الأوجه أن يجعل (الغنى) خبرا، و (ذو الرحمة) خبرًا آخر، وجملة (إن يشأ) استئناف فيه تأكيد لمعنى الجملة قبله؛ فالمقام في الآيات السابقة لقوله: ... {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} مقام حديث عن أهل الطاعة وأمرهم بها، وأهل المعصية ونهيهم عنها، وبيان أن لكلٍّ درجات مما عملوا، فربما توهم متوهم أن بالله - سبحانه وتعالى - حاجة إلى الطاعة أو عجزًا عن انتقامه وأخذه للمبارزين بالمعاصي [11] ،
(1) انظر: تفسير أبى السعود 3/ 124.
(2) السابق نفسه. وانظر: الدر المصون للسمين 5/ 156، اللباب لابن عادل 28/ 438.
(3) تفسير أبى السعود 3/ 124.
(4) انظر: السابق الموضع نفسه، الدر للسمين 5/ 156، إعراب القرآن للدرويش 2/ 456.
(5) الإعراب المفصل لبهجت 3/ 327.
(6) الدر للسمين 5/ 156، اللباب لابن عادل 8/ 438، إعراب القرآن للدرويش 2/ 456.
(7) انظر: أبي السعود 3/ 124.
(8) انظر: الدر للسمين 5/ 156، اللباب لابن عادل 8/ 438.
(9) الدر للسمين 5/ 156، اللباب لابن عادل 8/ 438، إعراب القرآن للدرويش 2/ 456، الإعراب المفصل لبهجت 3/ 327.
(10) انظر: إعراب القرآن للدرويش 2/ 456.
(11) انظر: المحرر لابن عطية 2/ 347، البحر لأبي حيان 4/ 227.