وقد ذكر في رفع (مودة) وجه ثالث أغفل أبو السعود - رحمه الله - ذكره، وهو أن تكون مرفوعة بالابتداء، خبرها (في الحياة الدنيا) [1] ، والكلام قد تم عند قوله (أوثانا) [2] . وهذه الجملة من المبتدأ والخبر إما أن تكون في محل رفع خبر (إن) ، على أن تكون (ما) بمعنى (الذي) اسم (إن) [3] ، وإما أن تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب [4] ، و (ما) كافة (إن) عن العمل [5] .
فالسبب الأكبر في تعدد الإعراب في الآية السابقة هو تأدية بعض الكلمات في اللغة أكثر من وظيفة؛ ف (ما) تعددت وظيفتها ما بين كونها موصولا اسميا بمعنى الذي، أو موصولا حرفيا (مصدرية) ، أو كافة (إن) عن عملها.
ومن هذا التعدد كذلك ما جاء في قوله - عز اسمه-: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 62] .
ذكر أبو السعود أن كلمة (القصص) تحتمل وجهين [6] :
أولهما: أن تكون خبرا ل (إن) ، وعليه، ف (هو) ضمير الفصل لا محل له من الإعراب دخلته اللام لكونه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل المبتدأ [7] .
وثاني الوجهين: أن يكون (هو) في محل رفع مبتدأ، و (القصص) خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في محل رفع خبر (إن) [8] .
يمثل الوجهان السابقان في رفع (القصص) إحدى المسائل التي اختلف فيها نحاة البصرة والكوفة؛ فالبصريون يسمون (هو) فصلا؛ لأنه دخل ليفصل بين النعت والخبر، فلا يجعلون له محلا إعرابيا. ويسميه الكوفيون عمادا، ويجعلونه إعرابا في حكم ما قبله، لأنه بمنزلة التوكيد له [9] .
(1) انظر: حجة أبي زرعة ص:550، البيان للأنباري 2/ 242.
(2) الحجة لابن خالويه ص:280.
(3) البيان للأنباري 2/ 242.
(4) انظر: حجة أبي زرعة ص:550، حجة ابن خالويه ص: 280.
(5) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 73.
(6) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 73.
(7) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 73.
(8) السابق نفسه.
(9) انظر: الإنصاف للأبناري ص: 567 مسألة (103) ، شرح المفصل لابن يعيش 3/ 110.