وقد ضعف الزمخشري هذا الوجه قائلا:"وليس بقوي في المعنى، مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا، مع تنافر النظم [1] ، ثم ذكر الأوجه لديه في توجيه رفع (قيله) وهو أن تكون مبتدأ مقسما به، وخبره محذوف تقديره: قسمي، وجواب القسم جملة: (إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) [2] . قال الزمخشري"والرفع على قولهم: ايمن الله وأمانة الله ولعمرك، ويكون قوله: (إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) جواب القسم" [3] ."
وردّه أبو حيان لمخالفته ظاهر الكلام؛ إذ يظهر أن قوله (يا رب) إلى (لا يؤمنون) متعلق ب (قيله) ، ومن كلامه عليه السلام، وإذا كان (إن هؤلاء) جواب القسم كان من إخبار الله عنهم ومن كلامه [4] .
وأحسب أن أبا حيان قد أصاب في اعتراضه على توجيه الزمخشري لما يفضي إليه من جعل جملة جواب القسم من كلام الله - عز وجل - حكما عليهم بعد الإيمان، لا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ما عليه ظاهر القرآن وما أخذ به الأعم الأغلب من أهل التفسير والإعراب، ولم يقل بالقسم إلا الزمخشري، فإنه لم يرتض من الأوجه الإعرابية في (قيله) على قراءاتها كلها شيئا، وإنما اختار أن تكون قسما على القراءات الثلاث: الرفع والنصب والجر [5] .
(4) خبر المبتدأ وخبر إن:
ومنه ما جاء في توجيه أبي السعود قوله - عز اسمه-: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] .
قرئت كلمة (مودة) بالرفع [6] ، وذكر أبو السعود أنها تحتمل الرفع خبرا لمحذوف أو خبرا لإن [7] . قال أبو السعود:"وقال: أي: إبراهيم - عليه السلام - مخاطبا قومه (إنما اتخذتم من دون الله أوثانا"
(1) الكشاف للزمخشري 4/ 170.
(2) انظر: السابق 4/ 171، البحر لأبي حيان 8/ 30، اللباب لابن عادل 17/ 303، 304.
(3) الكشاف للزمخشري 4/ 171.
(4) انظر: البحر لأبي حيان 8/ 30.
(5) اللباب لابن عادل 17/ 304، وانظر: الكشاف للزمخشري 4/ 170، 171.
(6) القراءة المشهورة على نصب (مودة) ، وقد قرأ برفعها من العشرة ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب من غير تنوين. انظر: النشر لابن الجزري 2/ 343، التحبير له أيضا ص:501. وقرأ بها من الأربعة الزائدين على العشرة ابن محيض واليزيدي. انظر: الإتحاف 2/ 350.
(7) انظر: تفسير أبي السعود 5/ 323.