وهو ما حدث في الآية؛ حيث جاء شبه الجملة أولا، واقعة بعده النكرة، وكان في سياق اعتماد، فوقع شبه الجملة خبرا عن مبتدأ، فتعدد إعراب النكرة بعده بين أن تكون فاعلا للظرف أو مبتدأ مؤخرا [1] أو اسما مؤخرا لكان مع اعتبار داعي التذكير في الفعل كما في الآية.
وقد وردت نماذج تعدُّد بين المبتدأ والفاعل كثيرة في تفسير أبي السعود كان مبنى التعدد فيها على ما سبقت الإشارة إليه، أذكر منها ما جاء في قوله - عز اسمه-: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} [البقرة: 19] ، وقوله - عز علا: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران: 4] ، وقوله - تعالى - {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43] ، وقوله - جل وعز: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يونس: 68] .
(3) المبتدأ والمعطوف:
من ذلك ما جاء في توجيه أبي السعود قوله - تبارك وتعالي: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] .
مجمل ما عليه العلماء - ومنهم أبو السعود - في رفع (إسماعيل) وجهان [2] :
الوجه الأول: وهو أظهر الوجهين عند غالب المفسرين والمعربين، أن ترفع (إسماعيل) بالعطف على (إبراهيم) [3] ، فيكون إسماعيل مشاركا إبراهيم - عليهما السلام - في رفع قواعد البيت [4] . وإنما أخر (إسماعيل) عن المفعول للإيذان بأن الأصل في الرفع هو إبراهيم وإسماعيل تبع له؛ حيث كان يناوله الحجارة وهو يبنيها [5] ، على أحد الأقوال عند المفسرين.
وعليه، فإن جملة (ربنا تقبل منا) في محل نصب على الحال منهما - عليهما السلام - بإضمار - قول محذوف، والتقدير: وإذ يرفعان البيت يقولان ربنا ... [6] ، ويؤيد الوجه قراءة بعض الصحابة بإظهار فعل القول المحذوف: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان ربنا) [7] .
(1) انظر: جهات تعلق أشباه الجمل ووظائفها النحوية المباشرة، دكتورة زينب شافعي ص: 483.
(2) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 291.
(3) انظر: معاني الزجاج 1/ 208، إعراب القرآن للنحاس ص:64، التبيان للعكبرى 1/ 95.
(4) انظر: البحر لأبي حيان 1/ 558، اللباب لابن عادل 2/ 479.
(5) تفسير ابي السعود 1/ 291. وانظر: الكشاف للزمخشري 1/ 174، الجامع للقرطبي 2/ 395، البحر لأبي حيان 1/ 558، تفسير ابن كثير 1/ 83 - 84.
(6) انظر: معاني الزجاج 1/ 208، التبيان للعكبرى 1/ 95.
(7) قرأ بها عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب - رضي الله عنهما - انظر: البحر لأبي حيان 1/ 559، اللباب لابن عادل 2/ 479، 480.