قال:" (متاع في الدنيا) كلام مستأنف سيق لبيان أن ما يتراءى فيهم (يعني فيمن يفترون الكذب على الله) بحسب الظاهر من نيل المطالب والفوز بالحظوظ الدنيوية على الإطلاق أو في ضمن افترائهم - بمعزل من أن يكون من جنس الفلاح، كأنه قيل: كيف لا يفلحون وهم في غبطة ونعيم؟ فقيل: هو متاع يسير في الدنيا وليس بفوز بالمطلوب" [1] .
وعليه، ف (متاع) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: (هو) [2] أو (ذلك) متاع في الدنيا [3] . فلما نُفي عنهم الفلاح لما ارتكبوه من الشنائع كادعاء الولد لله - سبحانه - وكان لهم حظ من الإفلاح في الدنيا بما حصل لهم فيها من مال وجاه وغير ذلك، لما كان ذلك كذلك قيل: ذلك متاع قليل [4] جوابا عن السؤال المقدر المنصوص عليه في عبارة أبي السعود الآنفة، فالجملة استئنافية لا محل لها من الإعراب [5] .
وقد جعل البعض تقدير المبتدأ المحذوف (حياتهم) أو (تقلبهم) [6] أو (افتراؤهم) [7] ، أي: افتراؤهم هذا منفعة قليلة في الدنيا، يقيمون بها رئاستهم في الكفر ومناصبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يلقون الشقاء المؤبد بعده [8] .
على أن أبا السعود قد ردّ تلك التقادير كلها لما يترتب عليها من إطلاق (المتاع) على ما ليس من جنسه أصلا. قال أبو السعود:"ولا يخفى أن المتاع إنما يطلق على ما يكون مطبوعًا عند النفس مرغوبًا فيه في نفسه، يُتمتع ويُنتفع به، وإنما عدم الاعتداد به وسرعة زواله، ونفس الافتراء عليه - سبحانه - أقبح القبائح عند النفس، فضلا عن أن يكون مطبوعا عندها. وعده كذلك باعتبار إجراء حكم ما يؤدي إليه من رياستهم عليه مما لا وجه له" [9] .
فَعِلَّةُ رد أبي السعود تلك التقادير أن الافتراء لا يصح إطلاق المتاع عليه، لأنه ليس مما تأنس إليه النفوس ولم تطبع عليه، وعدّه من قبيل المتاع باعتبار ما حصل للمفترين من رياسة أو جاه أو مال لا وجه له.
وأحسب أن ليس هناك بأس في تقدير المبتدأ ب (حياتهم) أو (تقلبهم) ؛ لأنهما يفهمان ضمنا من السؤال المقدّر: كيف لا يفلحون وهم في غبطة ونعيم؟ فجاء الرد: ذلك أو هو أو حياتهم أو تقلبهم أو تنعمهم
(1) السابق الموضع نفسه.
(2) معاني الفراء 1/ 472، معالم التنزيل للبغوي 4/ 143.
(3) معاني الفراء 1/ 472، معاني الزجاج 3/ 27.
(4) انظر: البحر لأبي حيان 5/ 175.
(5) اللباب لابن عادل 10/ 374.
(6) انظر: أنوار التنزيل للبيضاوي 1/ 563.
(7) انظر: الكشاف للزمخشري 2/ 373.
(8) الكشاف للزمخشري 2/ 373، أنوار التنزيل للبيضاوي 1/ 563.
(9) تفسير أبي السعود 3/ 523.