-أولهما: أن يكون الفعل منصوبًا بإضمار (أنْ) على أن الواو للجمع [1] ، كما في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن.
قال ابن مالك: والواو كالفا إن تُفد مفهوم مَعْ ... كلا تكنْ جلْدًا وتظهرَ الجزع [2]
فالواو إذا أريد بها المصاحبة لا التشريك، نُصب الفعل بعدها بأن مضمرة، وإن أريد بها التشريك لم يجز النصب [3] ؛"فتقول: (لا تأكل السمك وتشرب اللبن) فتنصب (تشرب) إن قصدت النهي عن الجمع بينهما، وتجزم إن قصدت النهي عن كل واحد منهما، أي: لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن، وترفع إن نهيت عن الأول وأبحت الثاني، أي: لا تأكل السمك، ولك شرب اللبن" [4] ، فإنك - حال النصب- إذا قدرت (مع) مكان الواو صح المعنى والإعراب [5] .
وعلى هذا، فإن معنى الآية:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة من قبل أن يتحقق منكم الجهاد والصبر [6] ، فالجهاد والصبر اللذان هما وسيلة دخول الجنة لم يقعا منكم إلى الآن [7] ."
-وثانيهما: أن يكون الفعل مجزومًا معطوفًا على (ولما يعلم) ، قد حركت ميمه لاتقاء الساكنين بالفتح لخفته، وإتباعًا لحركة اللام قبلها [8] (ويعلَمَ) ، وكان الأصل في التحريك الكسر [9] . [10]
(1) هذا مذهب البصريين، والكوفيون ينصبونه بالصرف، وهو أن يجتمع الفعلان (بالواو) أو (ثم) أو (الفاء) وفي أوله جحد أو استفهام ويمتنع أن يتكرر ذلك الجحد أو الاستفهام في العطف. انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 235، واختار الزجاج أيضًا نصب الفعل بالواو لا بأن مضمرة. انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/ 472.
(2) ألفية ابن مالك بيت رقم (688) .
(3) انظر: شرح ابن عقيل 4/ 13 - 15.
(4) شرح قطر الندى وبل الصدى لابن هشام، المكتبة التجارية الكبرى، ط/11، 1383 ه-1963 م، ص: 79، وانظر: أوضح المسالك لابن هشام ص:161، شرح ابن عقيل 4/ 15.
(5) التبيان للعكبرى 1/ 218.
(6) تفسير أبي السعود 2/ 147، وانظر: التبيان للعكبرى 1/ 218.
(7) انظر: تفسير المنار لرشيد رضا 4/ 155.
(8) انظر: التبيان للعكبرى 1/ 218، المحرر الوجيز لابن عطية 1/ 515.
(9) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 147، 148.
(10) جعل بعض المعربين توجيه قراءة الفتح (ويعلمَ) على أنها للجزم والحركة تخلصًا من التقاء الساكنين، جعلها من قبيل تنطع المعربين القدامى؛"إذ لا يجوز حمل القرآن على الوجوه المرجوحة"انظر: إعراب القرآن وبيانه للدرويش 1/ 536، ومهما يكن من شيء فقد يكون إمعانًا في الصنعة باستيعاب الأوجه الجائزة، ولكنه قطعًا ليس تنطعًا. رحم الله علماءنا قديمهم ومعاصرهم.