فقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] ، وهو الاختيار لأن الجماعة عليه، ولأن ما أتى بعده من الوعيد والتهديد، يدل على أنه أمر لازم، إلزام من الله لأهل الإنجيل" [1] ."
أما الوجه الثاني فالواو فيه عاطفة لفعل القول المقدر (قلنا) على (آتيناه) فالمعنى: وقفينا على آثارهم بعيسى ... وآتيناه الإنجيل ... وقلنا ليحكم أهل الإنجيل،"فيكون هذا إخبارًا بما فرض عليهم في وقت إنزاله عليهم من الحكم بما تضمنه الإنجيل، ثم حذف القول؛ لأن ما قبله من قوله: (وكتبنا) (وقفينا) يدل عليه، وحذف القول كثير" [2] .
أما قراءة النصب (ولِيحكمَ) فقد ذهب أبو السعود - كغيره من العلماء - إلى أن اللام لام التعليل [3] ، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة [4] "، لأن لام (كي) هي اللام الجارة، وحرف الجر لا يعمل في الفعل" [5] ، وهي عنده"متعلقة بفعل مقدر كأنه قيل: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه آتيناه إياه، وقد عُطف على (هدىً وموعظةً) على أنهما مفعول لهما، كأنه قيل: وللهدى والموعظة آتيناه إياه وللحكم بما أنزل الله فيه" [6] . ويجوز أن تتعلق اللام ب (قفينا) ، فالتقدير حينئذ: وقفينا على آثارهم ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه [7] .
فمما سبق يتبين أن قراءة الجزم معناها أمرهم وإلزامهم ابتداءً بالحكم بما أنزل الله في الإنجيل، أما قراءة النصب فهي تعليل لإيتائهم الإنجيل أو تعليل للتقفية، والله أعلم بمراده.
وفي قوله -تعالى-: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .
(1) الكشف لمكي 1/ 411، وانظر: تفسير ابن كثير 5/ 244، حدائق الروح والريحان لمحمد الأمين 7/ 313.
(2) حدائق الروح والريحان لمحمد الأمين 7/ 313.
(3) انظر: معاني الفراء 2/ 312، التبيان للعكبري 2/ 312، المغني لمحيسن 2/ 18.
(4) الدر المصون للسمين 4/ 285، اللباب لابن عادل 7/ 362.
(5) البيان للأنباري 1/ 294.
(6) تفسير أبي السعود 2/ 486.
(7) البيان للأنباري 1/ 294.