ويمتنع - قطعًا- جر (رسوله) بالعطف على (المشركين) ؛ لأنه يؤدي إلى الكفر [1] .
وإني لأحسب أن الأقرب إلى الصواب والأحرى بالقبول أن قراءة الجر - كما قال بعض المفسرين- لا تصح [2] ، ولا سيما أنها لا تضيف معنى، أو حكمًا جديدًا، يختلف في فحواه عن قراءتي الرفع والنصب، فضلًا عن أن بعض المفسرين قد أوردها لا على أنها قراءة - حتى ولو شاذة- وإنما على أنها أداء اختباري من معاوية - رضي الله عنه - لأبي الأسود الدؤلي، حتى وضع النحو؛ إذ جعل قارئًا يقرأ بخفض (رسوله) . [3]
قال بعض المفسرين في جر (رسوله) :"وهذه القراءة لعمري موهمة جدًا وهي في غاية الشذوذ، والظاهر أنها لم تصح". [4]
ومن شواهد التعدد على ثلاثة أوجه كذلك ما جاء في قوله - جل وعز-: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر: 70 - 72] .
أورد أبو السعود لكلمة (السلاسل) ثلاث قراءات بثلاثة أوجه: [5]
1 -الأولى بالرفع عطفًا على لفظ (الأغلال) .
2 -الثانية: بنصب (السلاسل) وفتح ياء الفعل (يسحبون) [6] مبنيًا للفاعل، فهي مفعول به مقدم.
3 -الثالثة: بالجر حملًا على المعنى. [7]
(السَّجْر) الامتلاء، والحبس، ومنه: سجر الرجل التنور: ملأه وقودًا وأحماه، وسجر الكلب: وضع الساجور في عنقه. [8]
(1) انظر: التبيان للعكبري 2/ 15.
(2) ينظر تخريج القراءة في بداية الشاهد، فهي من الشواذ التي لا يجوز التعبد بتلاوتها.
(3) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية 3/ 7.
(4) روح المعاني للألوسي 10/ 47. وانظر: الدر للسمين 6/ 9.
(5) انظر: تفسير أبي السعود 6/ 28.
(6) قرأ عامة القراء برفع (السلاسل) وقرأ بنصبها ابن عباس وابن مسعود ويحيى بن وثاب وعكرمة وأبو الجوزاء. انظر: مختصر ابن خالويه ص:133، الجامع للقرطبي 18/ 381، وزاد الألوسي زيد بن على. انظر: روح المعاني 24/ 85.
(7) نسبت قراءة الجر لابن عباس. انظر: الجامع للقرطبي 18/ 381، البحر لأبي حيان 7/ 454، فتح القدير للشوكاني ص: 1307، روح المعاني للألوسي 24/ 85.
(8) انظر: المعجم الوسيط، قام بإخراجه نخبة من العلماء، مجمع اللغة العربية بمصر، مادة (سَجَرَ) . وانظر: تحفة الأريب مادة (سَجَرَ) قال: (سُجِرَت) ملئت ونفذ بعضها على بعض فصار بحرًا واحدًا مملوءًا. أراد قوله تعالى {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] .