الصَّلَاةَ [النساء: 162] ؛ حيث قدموا النصب على الجر عطفا قصدا لمعنى بيان فضل الصلاة على غيرها، إذا أضيف هذا لذلك زال ما قد يتوهم من التكلف الذي أشار إليه أبوحيان.
ويغلب على ظني أن هذا الموطن من المواطن التي حمل فيها أبوحيان على الزمخشري لشدة تمسكه بقواعد الصناعة النحوية [1] ، فضلا عن عدم فهم أبي حيان لمقاصد الزمخشري فهما سديدا، يظهر ذلك - على سبيل المثال- من تعقبه بعض ما اختار فيه الزمخشري النصب على الاختصاص [2] . يضاف لما سبق اختلافهما مذهبا ومنهجا؛ فأبو حيان ظاهري يتشبث بالقاعدة وينافح عنها، والزمخشري بياني يقصّ أثر بلاغة المعنى ولا يبالي في سبيلها بمخالفة القاعدة إذا دعاه داعي البلاغة [3] ، ويعد ذلك أكبر مؤثرات الزمخشري في اختيارات أبي السعود بعامة.
ومن المواضع التي كان التعدد فيها بين النصب على الاختصاص والاسم المعطوف أيضا ما جاء عند تفسير أبي السعود قوله - جل ذكره-: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [النساء: 162] .
جوز أبوالسعود في كلمة (المقيمين) أن تكون منصوبة على الاختصاص أو أن تكون معطوفا مجرورا. قال:" (والمقيمين الصلاة) نُصب بإضمار فعل تقديره: وأعنى المقيمين الصلاة، على أن الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، وقيل: هو عطف على (ماأنزل إليك) على أن المراد بهم الأنبياء - عليهم السلام-، أى: يؤمنون بالكتب وبالأنبياء، أو المراد بهم الملائكة. قال مكي: أى ويؤمنون بالملائكة الذين صفتهم إقامة الصلاة لقوله - تعالى-: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] . وقيل: عطف على الكاف في (إليك) ، أى: يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وقيل: عطف على الضمير المجرور في (منهم) ، أى: لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة" [4] .
ف (المقيمين) تحتمل في إعرابها أحد وجهين:
(1) انظر: أسباب ذلك في النحو وكتب التفسير لرفيدة 2/ 951 - 955، تعقبات أبي حيان النحوية لجار الله الزمخشري في البحر المحيط رسالة دكتوراه إعداد محمد حماد ساعد القرشي، إشراف الأستاذ الدكتور تمام حسان، جامعة أم القرى، كلية اللغة العربية، 1414 ه-1415 ه، ص: 477 - 479.
(2) انظر: بحث المسألة في تعقبات أبي حيان النحوية للزمخشري لمحمد حماد القرشي ص: 307 - 311.
(3) انظر: النحو وكتب التفسير لرفيدة 2/ 953، تعقبات أبي حيان النحوية للزمخشري لمحمد حماد القرشي ص: 477.
(4) تفسير أبي السعود 2/ 404.