الأول: أن يكون مرفوعًا خبرًا ل (بغيكم) ، و (على أنفسكم) صلة للمصدر، فالمعنى: إنما بغي بعضكم على بعض متاع الحياة الدنيا [1] . فالمراد بأنفسهم أبناء جنسهم.
الثاني: أن يكون مرفوعًا على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو متاعُ، و (على أنفسكم) خبر (بغيكم) ، فالمعنى: أن عملكم بالظلم راجع عليكم [2] .
وبين الوجهين فارق دقيق من حيث المعنى؛ فرفع المتاع على أنه خبر (بغيكم) يعني: إنما بغي بعضكم على بعض متاع الحياة الدنيا.
أما إذا جعلت شبه الجملة (على أنفسكم) خبر (بغيكم) فالمعنى: إنما بغيكم وفسادكم راجع إليكم ووبال عليكم [3] ، وهو على تقدير انتفاعكم به متاع الحياة وعرض زائل، ثم يبقى عاره وخزيه بعد الموت [4] .
ومن شواهد هذا التعدد أيضًا ما ورد في قوله - تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} [مريم: 34] .
ذكر أبو السعود لكلمة (قول) قراءتين [5] : إحداهما بالنصب (قولَ) [6] ، والأخرى بالرفع (قولُ) [7] .
وقد جعل أبو السعود كلمة (قولَ) منصوبة على أنها مصدر مؤكد ل (قال) في قوله - تعالى-: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} [مريم: 30] . وقوله تعالى: (ذلك عيسى بن مريم) اعتراض مقرر لمضمون ما قبله [8] .
(1) معاني القرآن للزجاج 3/ 14، إعراب القرآن للنحاس ص: 393، زاد المسير لابن الجوزي ص: 621.
(2) معاني القرآن للزجاج 3/ 14، إعراب القرآن للدرويش 3/ 320.
(3) انظر: جامع البيان للطبري 12/ 149، إعراب القرآن للنحاس ص: 393.
(4) انظر: نظم الدرر للبقاعي 9/ 101.
(5) انظر: تفسير أبي السعود 4/ 559.
(6) قرأ ابن عامر وعاصم من السبعة، ويعقوب من العشرة بنصب (قول) . انظر: الحجة لابن خالويه ص: 238، التذكرة لابن غلبون 2/ 425، إبراز المعاني لأبي شامة ص: 583، النشر لابن الجزري ص: 318، ونسبت للحسن والشنبوذي. انظر: المبهج لسبط الخياط 2/ 625، الإتحاف للبنا 2/ 236.
(7) قرأ بقية العشرة بالرفع. وقد نسبت قراءة الرفع أيضًا للحسن، انظر: مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه ص: 88،
(8) انظر: تفسير أبي السعود 4/ 559. وانظر: المحرر الوجيز 4/ 15.