وهكذا نص أبو السعود على الآراء في المسألة ولم يرجح.
ومثل ذلك أيضا ما جاء في قوله - عز وجل: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176] .
قال أبو السعود: (يبين الله لكم) أي: حكم الكلالة، وأحكامه، وشرائعه التي من جملتها حكمها، (أن تضلوا) أي: كراهة أن تضلوا في ذلك، وهذا رأي البصريين صرّح به المبرد، وذهب الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين إلى تقدير اللام و (لا) في طرفي (أَنْ) أي: لئلا تضلوا، وقال الزجاج: هو مثل قوله - تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} [فاطر: 41] " [1] ."
فمفعول (يبين) محذوف عند البصريين، و (أن تضلوا) مفعول لأجله على حذف مضاف، والتقدير: يبين الله لكم أمر الكلالة كراهة أن تضلوا فيها، وهذا تقدير المبرد [2] .
أما الكوفيون فيقدرون (لا) محذوفة بعد (أن) ، والمعنى: (ألاَّ تضلوا) كذا نص عليه الفراء [3] . قالوا: وحذف (لا) شائع ذائع [4] ، إلا أن البصريين لا يجيزون إضمار (لا) فالتقدير عندهم: كراهة أن تضلوا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه ورجح ذلك بأن حذف المضاف أسوغ وأشيع من حذف (لا) [5] .
ومن الجدير بالذكر أن قول الزجاج الذي نقله أبو السعود في عبارته السابقة لم أجده ثابتا في معاني القرآن وإعرابه [6] ، ويبدو - والله أعلم - أن أبا السعود قد نقل العبارة عمن تناقلها قبله كصاحب الدر المصون، وصاحب اللباب في علوم الكتاب وغيرهما [7] .
وفي قوله - تبارك اسمه-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: 106] .
(1) تفسير أبي السعود 2/ 419.
(2) انظر: الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي، تحقيق أحمد محمد الخراط، دار القلم - دمشق، د/ط، 1994 م، 4/ 176، واللباب في علوم الكتاب لابن عادل الدمشقي 7/ 157.
(3) معاني القرآن للفراء 1/ 297، وانظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج، تحقيق وشرح عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، ط/1، 1408 ه-1988 م، 2/ 137.
(4) انظر: الدر المصون للسمين 4/ 176، اللباب لابن عادل 7/ 157.
(5) انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 297 حاشية المحقق، وانظر: معاني القرآن للزجاج 2/ 137.
(6) معاني القرآن للزجاج 2/ 136 - 138. دلني على ذلك أحمد محمد الخراط صاحب تحقيق الدر المصون.
(7) انظر: الدر المصون للسمين 4/ 176، اللباب لابن عادل 7/ 158.