منع لأسباب الحياة أن تأخذ سبيلها إلى الوجود والظهور .. فهؤلاء يمنعون الإجهاض ويحرمونه بطريق الأولى. فإن أسباب الحياة هنا قدانعقدت بالفعل حين التقى الحيوان المنوي الذكري بالبييضة الأنثوية، في تزاوج وتلاقح جعل منهما كائنًا جديدًا يحمل من الخصائص الوراثية ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
على أن هناك من العلماء من أجاز العزل لمسوغات وأسباب تتعلق بالأم أو بالوليد السابق، أ وبقدرة الأسرة على حسن التربية أو غير ذلك .. ولكنهم لم يجيزوا الإجهاض ونظموه مع الوأد في سلك واحد، وإن اختلفت مرتبتا الجناية. ومن هؤلاء الإمام الغزالي، فقد رأيناه ــ رغم إجازته للعزل معتبرة عنده ــ يفرق بوضوح بين منع الحمل بالعزل وبين إسقاطه بعد وجوده فيقول:
(وليس هذا ــ أي المنع بالعزل ــ كالإجهاض والوأد، لأن ذلك جناية على وجود حاصل، والوجود له مراتب، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغة وعلقة، كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشًا، ومنتهى التفاحش في الجناية هي بعد الانفصال حيًا) .
ونلاحظ أن الغزالي رحمه الله يعتبر الإجهاض جناية على وجود بشري حاصل، مع أنه يعبر عن إلتقاء نطفة الرجل بماء المرأة بأنه (استعداد لقبول الحياة) .
فكيف لو عرف ما عرفناه اليوم بأن الحياة قد وجدت بالفعل منذ تم هذا اللقاء؟
ولهذا نقول: إن الأصل في الإجهاض هو الحرمة. وإن كانت الحرمة تكبر وتعظم كلما استقرت حياة الجنين.