وفي الختام لا بد من القول بأن علماء ومفكري الإسلام المتأخرين لم يعتنوا بالعلوم الطبيعية التجريبية وبالعلوم العملية المثمرة المفيدة اعتنائهم بعلوم ما بعد الطبيعة و الفلسفة الإلهية التي تلقوها من اليونان، وما هي إلا وثنيتهم القومية التي ترجموها في لغتهم الفلسفية وأضفوا عليها لباسًا من الفن وماهي إلا ظنون وتخمينات وطلاسم لفظية لا حقيقة لها ولا معنى، وقد أغنى الله المسلمين عنها وكفاهم هذا البحث والتنقيب وعملية تجزئة وتحليل في مسائل ذات الله وصفاته وما يتعلق بها, أشبه بالتحليل الكيماوي بما أنزل إليهم بينات من الهدى والفرقان وجعلهم على نور من ربهم ولكن المسلمين لم يشكروا هذه النعمة العظيمة, وظلوا قرونًا طويلة يجاهدون من هذه العلوم والمباحث في غير جهاد, ويضيعون جهودهم وأوقاتهم في مباحث فلسفية وكلامية لا تجدي نفعًا ولا تأتي بنتيجة وليس لها دعوة في الدنيا والآخرة وتشاغلوا بها عن علوم واختبارات تسخر لهم قوى الطبيعة ويسخرونها لمصلحة الإسلام والإنسان ويبسطون بها سيطرة الإسلام المادية والروحية على العالم كله (62) .
وكذلك اشتغلوا بمباحث الروح وفلسفة الإشراق ومسائل وحدة الوجود، وبذلوا فيها قسطًا كبيرًا من أوقاتهم وجهودهم وذكائهم.
وكيف السبيل إذًا ... ؟
لا بد للعالم الإسلامي من تنظيم العلم الجديد بما يوافق روحه ورسالته، وقد ساد العالم الإسلامي على العالم القديم بزعامته العلمية سابقًا فتسرب بذلك في عقلية العالم وثقافته وتغلغل في أحشاء الأدب والفلسفة, وظل العالم المتمدن قرونًا يفكر بعقله ويكتب بقلمه ويؤلف بلغته, فكان المؤلفون في إيران وتركستان وأفغانستان والهند لا يؤلفون كتابًا له شأن إلا باللغة العربية وكان بعضهم يؤلف الأصل بالعربية ويلخصه بالفارسية كما فعل الغزالي في كتاب (كيمياء السعادة) .