وتفاعلاته، من أجل الوقوف على المسالك والدروب التي سارت فيها أمم كثيرة ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية، ومعرفة الوسائل التي أتاحت لها الاضطلاع بهذه المسؤوليات إلى جانب فهم أسباب تضعضع هذه الأمة أو تلك وأفول نجمه وتراجعها عن مركز الصدارة مفسحة المجال لأمة أخرى .. ، ومما شك فيه أن هذا الاستقراء العميق للماضي يقود إلى إدراك واعي للذات من خلال دراسة الأطوار الحضارية التي مرت بها الأمة وتعرف موقفها بين الأمم في كل طور من هذه الأطوار، من أجل الإفادة من الجوانب الإيجابية المضيئة وتلافي ما في دورتها الحياتية من السلبيات وأسباب الإخفاق والفشل ولا يعوزنا في هذا المجال النموذج والمثل الذي علينا الإقتداء به والسير على نهجه فتاريخ الحضارية الإسلامية ليس عنا ببعيد وهو زاخر بالعبر والدروس التي تصلح أساسًا متينًا للانطلاق نحو بنا ء حضارة تملك أسباب التقدم والرقي، إذ أن هذه الحضارة بنيت على أسس ومقومات ثابتة تصلح لكل زمان دون أن يعتورها القدم أو يتجاوزها الزمان أو يحول دون الأخذ بها اختلاف البيئات أو تباين المجتمعات فقد ارتكز فيها العلم على الإيمان حيث انطلقت هذه الحضارة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف , للعلم سياج ومن القيم يحميه من الانحراف والانجراف مع تيار الأنانية والمادية الذي لا يعترف إلا بحساب الخسارة والربح ولا تعرف قواميسه معاني القيم والأخلاق وقد حذرّ عقلاء الحضارة الغربية الحاصلة اليوم من مغبة الانغماس في تيار المادية، الذي ينذر بانزوائها وفنائها ويتأسس تحذيرهم هذا على فهم عميق لمسار الحضارات، بداية من مرحلة الانطلاق والنهوض وانتهاءً بمرحلة الذبول والفناء، وفي إطار التفاعل الحضاري بين ا لأمم فإن شواهد التاريخ تؤكد أن علماء المسلمين هم الذين أسسوا مناهج البحث العلمي وحددوا طرائقه وأدواته ووضعوا أساليبه، وكانت هذه المناهج والأساليب وراء التقدم الحضاري الذي أحرزته أوروبا حين اقتبستها من الحضارة الإسلامية ووضعتها موضع التطبيق، وتقول في ذلك المستشرقة زيجريد هونكة: (لقد قدم العرب أثمن هدية وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب الأوربي طريقًا لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم) (53) .