لم يصبح العلم عنصرًا هامًا في تحديد شكل الحياة اليومية للناس عامة إلا منذ قرن ونصف، ولقد كان لمائة سنة من العلم تأثير ضخم عجز عن إحداث مثله، خمسة آلاف سنة من ثقافة ما قبل العلم، ولعل من الجهل أن نظن أن الأثر الضخم للعلم قد استنفذ طاقته، بل لعل من الجهل أن نظن أنه بلغ ذروته، فأغلب الظن (والله أعلم) أن العلم سيستمر قرونًا ليحدث تغيرات تزيد سرعتها على مدى الأيام (1) .
ولقد فرق القرآن الكريم بين العلم والإيمان ورغَّب في التعلم وحث عليه في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى {الْعِلْمَ الْعِلْمَ الْعِلْمَ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} (2) وقال عز وجل: قُلْ قُلْ يَسْتَوِي يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ (3) ، ولا عجب أن تكررت في القرآن هذه العبارات الموقظة للفكر من غفلته، والمحررة للإنسان من درجة تقليده وجموده، مثل كلمات (إقرأ) ، (أفلا تعقلون) ، (أفلا تتفكرون) ، (أفلا ينظرون) ، أو لم ينظروا)، (أولم يتفكروا) ، (ولقوم يعقلون) ، (ولقوم يعلمون) ، (لقوم يتفكرون) .
والعلم في نظر الإسلام ليس مقابلًا للإيمان، فضلًا عن أن يكون مُعاديًا له، كما شاعت هذه الفكرة في أوربا في القرون الوسطى، حين وقفت الكنيسة في تلك العصور تؤيد الخرافة، وتحارب العلم، وتناصر الجمود والتقليد، وتقاوم التفكير الحرَّ والإبتكار المبدع، وتدافع عن القوى المتسلطة من حكام وإقطاعيين، وتقف في وجه الشعوب والفئات المسحوقة.