فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 975

والسجن، والتقييد ووضع الأغلال، وإن المعتصم لم يكن رجل علم، بل كان رجل سيف، لا يضعه عن عاتقه، فترك أمر خلق القرآن لإبن أب دؤاد يدبر الأمر فيه، لينفذ وصية المأمون في ذلك، وقد تبين أن أحمد إبن حنبل كان مقيدًا مسوقًا عندما مات المأمون، فأعيد إلى السجن ببغداد، حتى يصدر في شأنه أمر، ثم سيق إلى المعتصم، وأتخذت معه ذرائع الأغراء والإرهاب، فما أجدى في حمله ترغيب ولا ترهيب، فلما لم يجد القول رغبًا ورهبًا، نفذوا الوعيد، فأخذوا يضربونه بالسياط المرة بعد الاخرى، ولم يترك في كل مرة حتى يغمى عليه، وينخس بالسيف فلا يحس، وتكرر ذلك مع حبسه نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، فلما استيأسوا منه، وثارت في نفوسهم بعض نوازع الرحمة أطلقوا سراحه، وعادوه إلى بيته وقد أثخنته الجراح، واثقله الضرب المبرح المتوالي، والألقاء في غيابات السجن)، وفي الإمام أبو حنيفة يقول أبو زهرة رحمه الله: (جاء في المناقب لابن البزازي: أن أبا حعفر المنصور حبس أبا حنيفة على أن يتولى القضاء ويصير قاضي القضاة، فأبى حتى ضرب مئة وعشرة أسواط، وأخرج من السجن على أن يلزم الباب، وطلب منه أن يفتي فيما يرفع إليه من الأحكام، وكان يرسل إليه المسائل، وكان لا يفتي، فأمر أن يعاد إلى السجن، فأعيد و غلظ عليه وضيق تضيقًا شديدًا) (23) . كما يضرب لنا الإمام أبو زهرة مثلًا في شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله، وبتمسكه بالحق والعلم ويأبى المداهنة والنفاق، وفي ذلك يصف من كانوا يتربصون به الدوائر، من ضعاف الإيمان والنفوس فيقول: (وقد وجدوا ضالتهم التي ينشدونها في فتوى أفتاها منذ سبع عشرة سنة، ولقد قبلت هذه الفتوى منذ مدة طويلة، ولكن حركت عندما أرادوا الكيد، فشنعوا بها عند ولاة الأمور، وحركوا فيهم عوالم النقمة على ذلك الفقيه الجليل محي السنة النبوية، وجاء أمر السلطان في مصر إلى الوالي بدمشق باعتقاله وما إن اعتقل الشيخ حتى تكشفت القلوب عن خبيئاتها، و ظهر الأذى في تلاميذه وأوليائه، كان اعتقال الشيخ رضي الله عنه موضع ألم عند المخلصين طلاب الحقيقة الصافية، وموضع سرور عند الذين غلبت عليهم أفكار وآراء لم تجعل قلوبهم متسعة لسواها، كما وجدها أهل الأهواء انتصارًا لأهوائهم، وغلبة جاءت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت