يمارسون التنجيم، ولم يكونوا يجدون أي تعارض بين أبحاثهم الفلكية الأصيلة، وقراءاتهم طالع الملوك والأمراء من رصد النجوم، بل لا زلنا نسمع عن بعض قادة الدول العظمى من يستعينون بالمنجمين والسحرة الكذابين حتى في إتخاذهم القرارات الصعبة في إدارة شؤون بلادهم. أما فكرة العناصر الأربعة فقد ظلت معترفًا بها في أوروبا حتى القرن الثامن عشر، ولم تهدم إلا على يد الكيميائي الفرنسي المشهور (لا فوازيه) .
تلك إذن أخطاء ينبغي ألا تحسب على العلم الإسلامي، وفي مقابل ذلك فقد كانت لهذه العلم انجازات تعلمت أوروبا منها الشيئ الكثير، فقد وضحت على يد العلماء المسلمين أصول المنهج التجريبي، بما يقتضيه من ملاحظات دقيقة دائبة، ومن تسجيل منظم لهذه الملاحظات، ثم وضع الفروض لتفسيرها وإجراء التجارب للتحقق من صحة هذه الفروض.
هذا العلم الإسلامي الذي أرتكز على دعائم قوية من المنهج التجريبي ومن الحقائق الرياضية الدقيقة، كان واحدًا من اهم العوامل التي أدت إلى ظهور النهضة الأوربية الحديثة، فمنذ القرن الثاني عشر الميلادي، أخذت المؤلفات العربية الكبرى تترجم على نطاق واسع إلى اللغة اللاتينية، لغة العلم في أوروبا خلال العصر الوسيط، ولم يكن من المصادفات أن ينظر عدد غير قليل من الباحثين الأوربيين إلى هذا القرن بالذات على أنه نقطة البداية الحقيقية في النهضة الأوربية، أو نقطة التحول من العصور الوسطى المظلمة إلى المرحلة الممهدة لظهور العصر الحديث، ولم يكن من المصادفات أيضًا أن تكون الجامعات ومعاهد العلم الأوربية القريبة جغرافيًا من مراكز الثقافة العربية، في جنوب إيطاليا وصقلية وفرنسا، هي مراكز الإشعاع الأولى لهذه النهضة (13) .