فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 571

ذلك أن الإنسان - مهما يكن ذكاؤه ، ومهما تكن فطنته - لا يمكنه وحده أن يعرف أبعاد ومعالم شخصيته معرفة دقيقة ، بل لابد من آخرين يعينونه على ذلك ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، لا يستطيع الإنسان أن يكتشف ما في شخصيته من أثرة وأنانية أو إيثار ، وتعاون ، إلا إذا عاش بين الناس وخالطهم ، ورأي أصحاب الحاجات منهم ، ثم تأمل في نفسه ، هل تقسو وتجمد ، فتشح وتبخل ؟ وحينئذٍ تكون الثرة والأنانية ، أو ترق وتلين فتجود وتعطى ؟ وحينئذٍ يكون الإيثار والتعاون ، وكذلك لا يمكنه أن يقف على ما في شخصيته من حلم وأناة ، أو حمق وعجلة ، إلا إذا خالط الناس وصادف طبقات من غير أولى الكياسة ، ونظر: هل يقابل خشونة ألسنتهم باللين ، وغلظة قلوبهم بالرفق ؟ وهنا يكون الحلم والأناة ، أو يقابلها بمثلها أو أشد ؟ وهنا يكون الحمق والعجلة.

وأيضًا لا يعرف الإنسان ما لديه من الشجاعة الأدبية أو الجبن والخور إلا إذا لزم الجماعة ، ورأي من يخطئ ثم تبصر في نفسه:

هل يهون عليها أن تقول لهذا المخطئ: إن الصواب في غير ما نطقت ، والحق في غير ما رأيت ، والخير في غير ما أتيت ؟ وهنالك تكون الشجاعة الأدبية ، أو يعز عليها أن تقول ذلك فتصمت وتخرس ؟ وهناك يكون الجبن والخور.

وبالمثل لا يدرك الإنسان ما تنطوي عليه شخصيته من صدق وكذب ، من أمانة وخيانة ، من نظام أو فوضى ، إلا إذا عاش في وسط الجماعة ، وحدَّث أفرادها ، أو ائتمنوه على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، أو ضرب لهم موعدًا ، أو أعطى من نفسه عهدًا لهم ، ثم نظر:

هل يحدثهم بما يوافق الحقيقة والواقع ؟ فيكون صدوقًا ، أو بما يخالفها فيكون كذوبًا.

وهل يحافظ على دمائهم وأموالهم وأعراضهم فيكون أمينًا ، أو يعتدي عليها ويهدرها ؟ فيكون خائنًا.

وهل يحافظ على عهده ، ويفي بوعده ؟ فيكون دقيقًا منضبطًا منظمًا أو يهمل ويخلف ؟ فيكون فوضويًا غير دقيق ولا منظم ولا منضبط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت