ولكني اعتذرت له بأنني مضطر إلى التفكير في الأمر، وعقد مجلس إدارة الجمعية للنظر، ثم أجيبه بعد ذلك، وفي هذه الأثناء يؤسفني أن أقول: إنني حضرت إلى القاهرة لمقابلة العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة الشركة، فوجدت منه كل إعراض عن مصالح العمال، وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها، وكل تجرد من أي عاطفة فيها معني الغيرة الوطنية، قابلت بعد ذلك مدير الشركة، وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ، فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصا يستسلم لمطالبهم، وكان من كلامه: إنني صديق لكثير من زعماء المسلمين، ولقد قضيت في الجزائر عشرين سنة، ولكني لم أجد منهم أحدا كهذا الشيخ الذي ينفذ علينا أحكاما عسكرية، كأنه جنرال تماما، فناقشته في هذا الكلام وأفهمته أنه مخطئ وأن الشركات تقسوا على العمال، وتنقص من حقوقهم وتستصغر إنسانيتهم، وتبخل عليهم، وتقتر في أجورهم، في الوقت الذي يتضاعف ربحها، ويتكدس، وأن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج نظم هذه الشركات، ووجوب قناعتها باليسير من الربح.
واتفقنا أخيرا على أن يبقى الأستاذ الشيخ فرغلي شهرين حيث هو، وأن تقوم الشركة بتكريمه عند انتهاء هذه المدة، وأن تطلب رسميا من الإخوان من يحل محله من المشايخ، وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه، وتعنى بسكنه، ومطالبه وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي وتسلم مكانه فضيلة الأستاذ الشيخ شافعي أحمد، واستمرت الدعوة تشق طريقها في هذه الصحراء باسم الله مجريها، ومرساها. (1)
إن مثل هذا القصص يولد في النفس معنى الاقتداء والتأسي أو على الأقل المحاكاة والتشبه وبمرور الزمن يمكن القضاء على الاحتقار أو الانهزام النفسي.
(1) - سبق تخريجه في الجزء الثالث"آفة التسوييف".