فقد يكون إهمال المرء من التعويد على المسئولية، بل من التشجيع من بين الأسباب المؤدية إلى الاحتقار، والانهزام النفسي؛ ذلك أن التعويد على المسئولية، بل التشجيع يمنح المرء ثقة بنفسه، واحتراما وتقديرا لها، بحيث يوقن أنه ليس في الدنيا ما يكون صعبا، أو بعيد المنال، وحين يهمل المرء من التعويد على المسئولية، ومن التشجيع يوسوس له الشياطين، وتسول له النفس الأمارة بالسوء أنه ما أهمل بهذه الصورة إلا لأنه لا يحسن أو لا يجيد شيئا، فيفقد الثقة بنفسه، بل يأخذ في احتكارها، ويكون الانهزام النفسي.
ولا جرم أن نشير هنا إلى أننا لا نعني بالمسئولية القيادة، بقدر ما نعني بها التكليف بما يوجب التبعة، والمساءلة، وهذا الذي نعنيه من العموم بحيث يشمل الحياتين جميعا الدنيا والآخرة، فتكليف المرء بالاهتمام ببدنه، وروحه، وعقله، وخلقه، ودعوة الآخرين، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ومجاهدة الكفار والمنافقين الذين يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، هذه وغيرها مسئولية.
وكذلك لا نعني بالتشجيع الغناء أو المدح دون قيود أو ضوابط، بل لابد أن يكون محفوفا بالقيود، والضوابط الشرعية، وأهمها: الخلو من الكذب والمبالغة، وأن يكون مبنيا على الظن أو التخمين الغالب لا على اليقين والقطع، فذلك مرده إلى الله - تبارك وتعالى - بأن يقول: أحسب فلانا كذا، والله حسيبه ولا أزكى على الله أحدا، وخير ما يشهد بصحة هذا السبب حركة التاريخ والواقع:
أما حركة التاريخ: فقد طالعتنا من قديم: أن آباءنا وأجدادنا ولا سيما عرب الجزيرة العربية ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الثقة بالنفس، والعزة والإباء والشمم، تلك التي عرفوا بها قبل الإسلام إلا بالتعويد على المسئولية منذ نعومة أظفارهم بل والتشجيع المستمر، وجاء الإسلام وأكد على هذا، بل حوله من مجرد أن يكون عادة وعرفا إلى أن يكون شرعة ودينا، فقال الحق - سبحانه: