فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 571

وهذا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، يقدم عليه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج، فيعرفه عمر، وأبو حازم لا يعرفه، فيقول له عمر: ادن مني يا أبا حازم، وحين يدنوا منه يعرفه، فيقول له: أنت أمير المؤمنين؟ فيقول عمر: نعم، فيقول: ألم تكن بالمدينة بالأمس أميرا؟ قال: نعم، قلت: كان مركبك وطيئا، وثوبك نقيا، ووجهك بهيا، وطعامك شهيا، وحرسك كثيرا، فما الذي غير ما بك، وأنت أمير المؤمنين؟ فبكى، ثم قال: يا أبا حازم، كيف لو رأيتني بعد ثالثة في قبري، قد سالت حدقتاي على وجنتي، وانشق بطني، وجرت الديدان في بدني، لكنت أشد إنكارا لي من يومك هذا، أعد علي الحديث الذي حدثتنيه بالمدينة، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن بين أيديكم عقبة كؤودا مضرسة، لن يجوزها إلا كل ضامر مهزول"، فبكى، ثم قال: تلومني يا أبا حازم أن أضمر نفسي لتلك العقبة، لعلي أنجو منها، ما أظنني بناج منها. (1)

وقال أبو حازم هذا:

"نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا أفضل من نعمته فيما أعطاني منها، إني رأيته أعطاها قوما فهلكوا"،"رأيت الدنيا شيئين: شيئا منها هو لي فلن أعجله قبل أجله، ولو طلبته بقوة السموات والأرض، وشيئا منها هو لغيري، فذاك ما لم أنله فيما مضى، ولا أرجوه فيما بقى، يمنع الذي لغيري مني، كما يمنع الذي لي من غيري، ففي أيّ هذين أفني عمري؟"،"الناس عاملان: عامل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلف الفقر، ويأمنه على نفسه، فيفني عمره في بغية غيره، وعامل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأصبح ملكا عند الله، لا يسأل الله شيئا فيمنعه".

(1) أسمالهم: جمع سمل وهو: الخلق من الثياب.. انظر: النهاية في شرح غريب الحديث والأثر 2/183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت