ذلك أن العقل في ساعة الغضب يكون كالمستور أو كالمغطى، وإذا ستر العقل أو غطي صار الإنسان غير قادر على الإمساك بزمام النفس، وحينئذ يصدر منه مالا يحمد عقباه، وما يؤدي إلى الندم، ولكن بعد فوات الأوان. وقد قال سليمان بن داود عليهما السلام:"إياك وكثرة الغضب، فإن كثرة الغضب تستخف فؤاد الرجل الحليم". (1)
وعن وهب بن منبه:"أن راهبا كان في صومعته، فأراد الشيطان أن يضله فلم يستطع، فجاءه حتى ناداه، فقال له: افتح، فلم يجبه، فقال: افتح فإني إذا ذهبت ندمت، فلم يلتفت إليه... قال: فولى مدبرًا، فقال الراهب: ألا تسمع؟ قال: بلى، أخبرني أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم؟ فقال: الحدّة، إن الرجل إذا كان حديدا قلبتاه كما يقلب الصبيان الكرة". (2)
وقال بعضهم لولده:"يا بني، لا يثبت العقل عند الغضب، كما لا تثبت روح الحي في التنانير المسجورة، فأقل الناس غضبا أعقلهم، فإن كان للدنيا كان دهاءً ومكرا، وإن كان للآخرة كان حلما وعلما، فقد قيل: الغضب عدو العقل، والغضب غول العقل". (3)
4 -الوقوع في مذلة الاعتذار:
ذلك أن المغضب يقع منه حال الغضب مالا يدري ولا يشعر به، وهذا بدوره يوقعه في مذلة الاعتذار. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ارتكاب كل ما يؤدي إلى الوقوع في مذلة الاعتذار، فقال:"إياك وكل ما يعتذر منه". (4)
(1) - انظر: إحياء علوم الدين للغزالي 3/245- 246.
(2) - انظر: إحياء علوم الدين للغزالي 3/245-- 246.
(3) - انظر: إحياء علوم الدين للغزالي 3/245-- 246.
(4) - الحديث أورده الشيخ محمد ناصر الدين الأألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأول: الجزء الرابع ص 77 حديث رقم (354) نقلا عن الضياء المقدسي في المختارة من حديث شبيب بن بشر عن أنس بن مالك مرفوعا بهذا اللفظ، وعقب عليه بقوله: قلت: وهذا سند حسن رجاله ثقات، وفي شبيب كلام لا يضر""