أجل، إن المرء مجبول بفطرته على الشُّح - كما رأينا من هذه النصوص - وقد يستسلم هذا المرء إلى هذا الذي فطر عليه، ولا يسوس نفسه، ولا يجاهدها، وتكون العاقبة تمكن هذا الشُّح من نفسه بصورة يصعب معها العلاج.
4 ـ الاستعلاء والتكبر في الأرض بغير الحق.
وقد يكون الاستعلاء والتكبر في الأرض بغير الحق من أسباب الوقوع في الشُّح، ذلك أن المستعلي، أو المتكبر في الأرض بغير الحق رسم لنفسه صورة معينة، وأحاطها بهالة خاصة، ويملي عليه هواه، وتوسوس له نفسه الأمارة بالسوء، ويغريه أقرانه من شياطين الجن والإنس، وتزين له الدنيا - أنه لا بد له كي يحتفظ بهذه الصورة التي رسمها لنفسه، وتلك الهالة التي أحاطها بها ألا يأتي ما فيه عون، وبر للآخرين، إذ هم المطالبون في خدمته وحاجته لا يكون هو في خدمتهم وحاجتهم، وحينئذ يقع في آفة الشُّح والعياذ بالله.
5 ـ عدم اليقين بما عند الله.
وقد يكون عدم اليقين بما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة هو الباعث على الشُّح.
ذلك أن من لم يصدق تصديقا لا يقبل الشك بحال أن الله يخلف على العبد أكثر مما يعطي هذا العبد، بل هو المانح ابتداء من غير حول من الخلق، ولا قوة ولا طول.
من لم يصدق بذلك يبخل بل يشح.
وقد لفت رب العزة النظر إلى هذا السبب حين قال: {وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} [الليل: 8 - 10] .
يقول الماوردي: وفي قوله: {وأما من بخل} وجهان: أحدهما: بخل بماله الذي لا يبقى، قاله ابن عباس والحسن، والثاني: بخل بحق الله تعالى، قاله قتادة، {واستغنى} فيه وجهان: أحدهما: بماله، قاله الحسن، والثاني عن ربه، قاله ابن عباس: {وكذب بالحسنى} فيه التأويلات السبعة - التي ذكرها في قوله: {وصدق بالحسنى} وهي: