وذلك أن القلب إذا فرغ من معرفة الله وتقواه، بمعنى مراقبته وخوفه ورجائه، بصورة تحمل على الاستقامة، دخلت الدنيا هذا القلب، وتربعت على عرشه، ووسوس الشيطان، وبرزت النفس الأمارة بالسوء، وهنا يكون الاشتغال بما لا يسمن ولا يغنى من جوع من المراء أو الجدل، ومن الخصومة بالباطل وهكذا، ولهذا دعا رب العزة عباده إلى مقاومة الفراغ بتنويع العبادة لئلا تسأم النفس أو تمل، ويكون الفتور أو القعود، الأمر الذي ينتهي بالوقوع في حبائل المراء أو الجدل فقال سبحانه: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (الشرح) .
يقول الحافظ ابن كثير- تعليقا على هاتين الآيتين وتفسيرا لهما بما أثر عن السلف:"أي إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطا فارغ البال، واخلص لربك النية والرغبة، وقال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك، وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل،، وفي رواية عنه: فانصب بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس، وقال ابن عباس: فإذا فرغت فانصب في الدعاء، وقال الضحاك: فإذا فرغت، أي من الجهاد، فانصب، أي في العبادة. وإلى ربك فارغب: قال الثوري: اجعل نيتك، ورغبتك إلى الله عز وجل". (1) ويقول العلامة الألوسي - رحمه الله:"وأشعرت الآية بأن اللائق بحال العبد أن يستغرق أوقاته بالعبادة ... وذكروا أن قعود الرجل فارغا من غير شغل، أو اشتغاله بما لا يعنيه في دينه أو دنياه من سفه الرأي وسخافة العقل، واستيلاء الغفلة. وعن عمر رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا لا في عمل دنياه ولا في عمل آخرته. وروي أن شريكا مر برجلين يصطرعان، فقال: ما بهذا أمر الفارغ". (2)
9 -عدم وجود برنامج يواكب ويمتص الطاقات:
(1) - انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4//528.
(2) - انظر: روح المعاني للألوسي 30/ 172.