12 -الخوف من الله مع عدم الركون إلى النعمة:
وأن يصحب المسلم معه في سفره إلى ربه خلق الخوف منه وعدم أمن مكره أو عذابه، مع عدم الركون إلى النعمة، فإن ذلك إن توفر للمسلم صار سوطا يلهب ظهره، ويحمله على تنظيم وقته، وشغله بالنافع المفيد، ويصدق ذلك ما أثر عن السلف.
وحسبنا هنا: ما جاء عن سيدنا عمر بن عبد العزيز، إذ تقول عنه زوجه فاطمة بنت عبد الملك: ما رأيت أحدا أكثر صلاة، ولا صياما منه، ولا أحدا أشد فرقا من ربه منه، كان يصلي العشاء، ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلا يزال يبكي حتى تغلب عيناه، ولقد كان معي في الفراش، فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور من الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف. (1)
وحسبنا هنا كذلك ما جاء عن الإمام أبي حنيفة - النعمان بن ثابت -إذ يقول عنه صاحبه يزيد بن الكميت:
كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا علي بن الحسين المؤذن ليلة في العشاء الآخرة سورة {إذا زلزلت} وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة، وخرج الناس، نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يتفكر ويتنفس فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه بي، فلما خرجت تركت القنديل، ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر، وهو قائم، وقد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيرا، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شرا، أجر النعمان عبدك من النار، ومما يقرب منها من السوء وأدخله في سعة رحمتك، قال: فأذنت، وإذا بالقنديل يزهر، وهو قائم فلما دخلت قال لي: تريد أن تأخذ القنديل؟ قلت: قد أذنت لصلاة الغداة"- فقال: اكتم ما رأيت، وركع ركعتين، وجلس حتى أقمت الصلاة، وصلى معنا. (2) "
(1) - انظر: البداية والنهاية لابن كثير 9/2044، وعنه نقل الشيخ جاسم المطوع في الوقت عمار أو دمار 1/80.
(2) - انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان 5/412 ووعنه نقل الشيخ جاسم المطوع في الوقت عمار أو دمار 1/80، 81.