-وإذا كنت قد صليت في بيتك، ثم جئت المسججد، فوجدت الناس يصلون فصل معهم وتكون الصلاة الثانية نافلة لك، لئلا يتخذ الناس قعودك وهم يصلون ذريعة لإساءة الظن بك وأنك لست من المصلين. جاء في الحديث: عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام شاب، فلما صلى إذا رجلان لم يصليا في ناحية المسجد فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما فقال:"ما منعكما أن تصليا معنا"، قالا: قد صلينا في رحالنا، فقال:"لا تفعلوا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام، ولم يصل فليصل معه فإنها له نافلة. (1) "
وأمثلة البعد عن مواطن التهم في الإسلام كثيرة جدا، غاية ما في الأمر أنه يجب أن يكون هذا المعنى آكد، وأشد في حق العلماء والمربين، لأنهم أسوة وقدوة لغيرهم من الناس، وأي سلوك أو تصرف محسوب عليهم.
يقول ابن دقيق العيد:"وهذا -أي التحرز من كل ما يوقع في التهم - متأكد في حق العلماء ومن يقتدي بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، وقد قالوا: إنه ينبغي للحاكم أن يبين وجه الحكم للمحكوم عليه إذا خفي عليه، وهو من باب نفي التهمة بالنسبة إلى الجور في الحكم". (2)
6 -الحرص على سلامة البيئة، ولا سيما في مجتمع الأصدقاء، فإن ذلك له دور كبير في علاج سوء الظن وحماية النفس من أن تتورط فيه من جديد.
7 -مجاهدة النفس وقمع الهوى والشهوات، حتى تعرف النفس أنه ليس من السهل توجيه تهمة لأحد من الناس لمجرد ظن أو تخمين لا دليل عليه ولا برهان، وما في الدنيا شيء أعظم من أن يكون هوانا تبعا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول سبحانه: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} (آل عمران: 31) .
8 -معاملة التائبين من الناس بحاضرهم لا بماضيهم، وإذا كان الملك الذي أساء هؤلاء وأجرموا في حقه قد تجاوز وعفا فنحن في التجاوز والعفو أولى وأحق، ولا سيما ونحن في المعاصي مثلهم وربما أشد.
9 -دوام النظر في كتب السيرة والتاريخ، ولا سيما تاريخ المسلمين، فإنها مليئة بصور حية عن الظن السيء وآثاره وطريق الخلاص منه، بحيث يسهل على النفس التخلص من هذا الداء.
10 -التذكير الدائم بعواقب سوء الظن في الدنيا والآخرة، وعلى الفرد، والجماعة، فان الإنسان كثيرا ما ينسى، وعلاج هذا النسيان بالتذكير، كما قال سبحانه: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} (الذاريات) ، {فذكر إن نفعت الذكرى} (الأعلى) .
(1) - انظر: إحكام الأحكام 2/ 57، وعنه نقل ابن حجر في فتح الباري 4/ 280.
(2) - الحديث سبق تخريجه.