"قوله يطعمني ربى ويسقيني مجاز عن لازم الطعام والشراب ، وهو القوة ، فكأنه قال: يعطيني قوة الآكل الشارب ، ويفيض علىّ ما يسد مسد الطعام والشراب ، ويقوى علىّ أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة ولا كلال في الإحساس..."وقال ابن حجر:"ويحتمل أن يكون المراد بقوله:"يطعمني ربى ويسقيني"أي يشغلني بالتفكير في عظمته والتملي بمشاهدته ، والتغذى بمعارفه وقرة العين بمحبته ، والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب"
وقال ابن القيم:"... إن المراد به ما يغذيه الله به من المعارف وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه وتنعمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ، ونعيم الأرواح ، وقرة العين ، وبهجة النفوس ، والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه ، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغنى عن غذاء الأجسام مدة الزمان ، كما قيل:"
لها أحاديث في ذكراك تشغلها ……عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به ……ومن حديثك في أعقابها حاد
إذا شكت من كلال السير أوعدها……روح القدوم فتحيا عند ميعاد
ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني... ، وإذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"يعنى: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان.
وعليه... فإن المسلم إذا ترك هذا الإيمان بدون تجديد وتعهد فإن جذوته تخبو أو تضعف في النفس وتكون العاقبة ضعف أو تلاشى هذا الالتزام.