وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم، تَوَقَّفُوا فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ، وَلَمْ يَاخُذْ عُمَرُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ، حَتَّى رَوَى لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ} . وَثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم {أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ} . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا الْجِزْيَةَ مِمَّنْ سِوَاهُمْ، فَإِنَّهُمْ إذَا تَوَقَّفُوا فِي مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ، فَفِي مِنْ لَا شُبْهَةَ لَهُ أَوْلَى، ثُمَّ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ لِلْخَبَرِ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَاخُذُوهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ} . يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، إذْ لَوْ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ، لَمْ يَخْتَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِإِضَافَتِهَا إلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ تَغْلُظُ كُفْرُهُمْ لِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ وَجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ، فَلَمْ يُقَرُّوا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، كَقُرَيْشٍ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَلِأَنَّ تَغْلِيظَ الْكُفْرِ لَهُ أَثَرٌ فِي تَحَتُّمِ الْقَتْلِ، وَكَوْنِهِ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، بِدَلِيلِ الْمُرْتَدِّ. وَأَمَّا الْمَجُوسُ، فَإِنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ، وَالشُّبْهَةُ تَقُومُ مُقَامَ الْحَقِيقَةِ فِيمَا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ، فَحَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ لِلشُّبْهَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ حِلُّ نِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ ; لِأَنَّ الْحِلَّ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ، وَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَمَّا اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ دِمَائِهِمْ، اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، لِيَثْبُتَ التَّحْرِيمُ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا، تَغْلِيبًا لَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِالِاسْتِرْقَاقِ.
(7642) مَسْأَلَةٌ قَالَ: [1] (وَمَنْ سِوَاهُمْ، فَالْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ) يَعْنِي مَنْ سِوَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، وَلَا يُقَرُّونَ بِهَا، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا، هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَرَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ، أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، لِأَنَّ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ، إلَّا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ
(1) المغني - (ج 21 / ص 2.1)