فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 865

زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ. فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ. وَإِنْ رَجَعَ إلَى دِينِ الْكُفْرِ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَصِيرُ مُسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْهُ قُتِلَ إذَا امْتَنَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ {: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا.} وَلِأَنَّهُ أَتَى بِقَوْلِ الْحَقِّ، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ كَالْحَرْبِيِّ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ، كَالْمُسْلِمِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِكْرَاهِ قوله تعالى: {لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} . وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ - إذَا أَقَامَ عَلَى مَا عُوهِدَ عَلَيْهِ -، وَالْمُسْتَامَنَ لَا يَجُوزُ نَقْضُ عَهْدِهِ، وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ. وَلِأَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ، كَالْإِقْرَارِ وَالْعِتْقِ. وَفَارَقَ الْحَرْبِيَّ وَالْمُرْتَدَّ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُمَا، وَإِكْرَاهُهُمَا عَلَى الْإِسْلَامِ، بِأَنْ يَقُولَ: إنْ أَسْلَمْتَ وَإِلَّا قَتَلْنَاك. فَمَتَى أَسْلَمَ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ظَاهِرًا. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ أُكْرِهَ بِحَقٍّ، فَحُكِمَ بِصِحَّةِ مَا يَاتِي بِهِ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ الْمُسْلِمُ عَلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ، فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، فَإِنَّ مَنْ اعْتَقَدَ الْإِسْلَامَ بِقَلْبِهِ، وَأَسْلَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ مُسْلِمٌ عِنْدَ اللَّهِ، مَوْعُودٌ بِمَا وُعِدَ بِهِ مَنْ أَسْلَمَ طَائِعًا، وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ الْإِسْلَامَ بِقَلْبِهِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ، لَا حَظَّ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ فِي هَذَا مَنْ يَجُوزُ إكْرَاهُهُ، وَمَنْ لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ اعْتِقَادِهِ مِنْ الْعَاقِلِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، وَيَقُومُونَ بِفَرَائِضِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت