الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالِابْتِدَاءُ بِالْقَتْلِ لَيْسَ مِنْ الْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ. وَرُوِيَ {أَنَّ حَنْظَلَةَ رضي الله عنه غَسِيلَ الْمَلَائِكَةِ عليهم الصلاة والسلام اسْتَاذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَتْلِ أَبِيهِ، فَنَهَاهُ عليه الصلاة والسلام} وَلِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِإِحْيَائِهِ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ، فَالْأَمْرُ بِالْقَتْلِ فِيهِ إفْنَاؤُهُ، يَكُونُ مُتَنَاقِضًا فَإِنْ قَصَدَ الْأَبُ قَتْلَهُ، يَدْفَعْهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ الدَّفْعِ، وَلَكِنْ لَا يَقْصِدُ بِالدَّفْعِ الْقَتْلَ ; لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى الْقَصْدِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَأَمَّا حُكْمُ الرِّدَّةِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: [1]
إنَّ لِلرِّدَّةِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْمُرْتَدِّ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى مِلْكِهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى تَصَرُّفَاتِهِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى وَلَدِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا إبَاحَةُ دَمِهِ إذَا كَانَ رَجُلًا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ; لِسُقُوطِ عِصْمَتِهِ بِالرِّدَّةِ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم {: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ} . وَكَذَا الْعَرَبُ لَمَّا ارْتَدَّتْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم عَلَى قَتْلِهِمْ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَتَابَ وَيُعْرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُسْلِمَ، لَكِنْ لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُ فَإِنْ أَسْلَمَ فَمَرْحَبًا وَأَهْلًا بِالْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَبَى نَظَرَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ طَمِعَ فِي تَوْبَتِهِ، أَوْ سَأَلَ هُوَ التَّاجِيلَ، أَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي تَوْبَتِهِ وَلَمْ يَسْأَلْ هُوَ التَّاجِيلَ، قَتَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مُغْرِيَةِ خَبَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ كَفَرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ إسْلَامِهِ فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رضي الله عنه: مَاذَا فَعَلْتُمْ بِهِ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رضي الله عنه: هَلَّا
(1) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ج 15 / ص 421)