فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 865

وهي أفضل الأمم. وهي أهل المدينة الفاضلة المنشود للحكماء من قبل، فجَاءت الآية بهذا الأمر على هذا الأسلوب البليغ الموجز.

وفي هذا محسِّن التجريد: جُرّدت من المخاطبين أمَّة أخرى للمبالغة في هذا الحكم كما يقال: لِفلان من بنيه أنصار. والمقصود: ولتكونوا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حتَّى تكونوا أمَّة هذه صفتها، وهذا هو الأظهر فيكون جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خوطبوا بأن يكونوا دعاة إلى الخير، ولا جرم فهم الَّذين تلقوا الشَّريعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، فهم أولى النَّاس بتبليغها. وأعلم بمشَاهِدها وأحوالها، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة: «ليبلغ الشاهد الغائب أَلاَ هل بلّغت» وإلى هذا المحمل مال الزجاج وغير واحد من المفسّرين، كما قاله ابن عطية.

ويجوز أيضًا على اعتبار الضّمير خطابا لأصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم أن تكون (من) للتبعيض، والمراد من الأمّة الجماعة والفريق، أي: وليكن بعضكم فريقًا يدعون إلى الخير فيكون الوجوب على جماعة من الصّحابة فقد قال ابن عطية: قال الضّحاك، والطبري: أمر المؤمنين أن تكون منهم جماعة بهذه الصّفة. فهم خاصّة أصحاب الرسول وهم خاصّة الرواة.

وأقول: على هذا يثبت حكم الوجوب على كلّ جيل بعدهم بطريق القياس لئلا يتعطّل الهدى. ومن النَّاس من لا يستطيع الدّعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر قال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم} [التوبة: 122] الآية.

وإن كان الخطاب بالضّمير لجميع المؤمنين تبعًا لكون المخاطب بيَأيها الّذين آمنوا إيَّاهم أيضًا، كانت (مِنْ) للتبعيض لا محالة، وكان المراد بالأمّة الطائفة إذ لا يكون المؤمنون كُلّهم مأمورين بالدعاء إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت