فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 865

أُبَيِّتْ قَبُولَ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ وَقَدْ كَانَ مُسْتَخْفِيًا بِالشِّرْكِ؟ أَعَلَى عِلْمٍ أَنْتَ مِنْ أَنَّ هَذَا لَا يَتُوبُ تَوْبَةً صَحِيحَةً أَمْ قَدْ يَتُوبُ تَوْبَةً صَحِيحَةً؟ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَ هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ عِلْمِ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا تَوَلَّى اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ عِلْمَ الْغَيْبِ، أَوْ رَأَيْت لَوْ قَالَ رَجُلٌ مَنْ اُسْتُسِرَّ بِالْكُفْرِ قَبِلْت تَوْبَتَهُ لِضَعْفِهِ فِي اسْتِسْرَارِهِ وَمَنْ أَعْلَنَهُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ لِمَا انْكَشَفَ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَإِنَّ الْمُنْكَشِفَ بِالْمَعْصِيَةِ أَوْلَى أَنْ تَنْفِرَ الْقُلُوبُ مِنْهُ وَيَكَادُ أَنْ يُؤْيَسَ مِنْ صِحَّةِ تَوْبَتِهِ لِأَنَّا رَأَيْنَا مَنْ انْكَشَفَ بِالْمَعَاصِي سِوَى الشِّرْكِ كَانَ أَحْرَى أَنْ لَا يَتُوبَ مَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ؟ هَلْ هِيَ إلَّا أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا قَبُولُ ظَاهِرِ الْآدَمِيِّينَ وَأَنَّهُ تَوَلَّى سَرَائِرَهُمْ وَلَمْ يَجْعَلْ لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَحْكُمَ إلَّا عَلَى الظَّاهِرِ وَتَوَلَّى دُونَهُمْ السَّرَائِرَ لِانْفِرَادِهِ بِعِلْمِهَا وَهَكَذَا الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ. وَأَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْأَعْرَابِ فَقَالَ {قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} فَأَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَنَّهُمْ أَظْهَرُوهُ وَحَقَنَ بِهِ دِمَاءَهُمْ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ"أَسْلَمْنَا"، قَالَ أَسْلَمْنَا مَخَافَةَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ فِي عَدَدِ آيٍ مِنْ كِتَابِهِ بِإِظْهَارِ الْإِيمَانِ وَالِاسْتِسْرَارِ بِالشِّرْكِ وَأَخْبَرَنَا بِأَنْ قَدْ جَزَاهُمْ بِعِلْمِهِ عَنْهُمْ بِالدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ فَقَالَ {إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} فَأَعْلَمَ أَنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْآخِرَةِ النَّارُ بِعِلْمِهِ أَسْرَارَهُمْ وَأَنَّ حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا إنْ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ جُنَّةٌ لَهُمْ، وَأَخْبَرَ عَنْ طَائِفَةٍ غَيْرِهِمْ فَقَالَ {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلَّا غُرُورًا} وَهَذِهِ حِكَايَةٌ عَنْهُمْ وَعَنْ الطَّائِفَةِ مَعَهُمْ مَعَ مَا حَكَى مِنْ كُفْرِ الْمُنَافِقِينَ مُنْفَرِدًا وَحَكَى مِنْ أَنَّ الْإِيمَانَ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَ مَنْ حَكَى مِنْ الْأَعْرَابِ وَكُلَّ مَنْ حَقَنَ دَمَهُ فِي الدُّنْيَا بِمَا أَظْهَرَ مِمَّا يَعْلَمُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خِلَافَهُ مِنْ شِرْكِهِمْ لِأَنَّهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت