ولا يمكن أن ينفك عنصر العقيدة الإيمانية، عن الشعائر التعبدية، عن القيم الخلقية، عن الشرائع التنظيمية، في أي دين يريد أن يصرّف حياة الناس وفق المنهج الإلهي. وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين في النفوس وفي الحياة؛ ويخالف مفهوم الدين وطبيعته كما أراده الله.
وهذا ما حدث للمسيحية. فإنها لعدة ملابسات تاريخية من ناحية؛ ولكونها جاءت موقوته لزمن - حتى يجيء الدين الأخير - ثم عاشت بعد زمنها من ناحية. . قد انفصل فيها الجانب التشريعي التنظيمي عن الجانب الروحاني التعبدي الأخلاقي. . فقد حدث أن قامت العداوة المستحكمة بين اليهود والمسيح عليه السلام وأنصاره ومن اتبع دينه فيما بعد؛ فأنشأ هذا انفصالًا بين التوراة المتضمنة للشريعة والإنجيل المتضمن للإحياء الروحي والتهذيب الأخلاقي. . كما أن تلك الشريعة كانت شريعة موقوتة لزمن خاص ولجماعة من الناس خاصة. وكان في تقدير الله أن الشريعة الدائمة الشاملة للبشرية كلها ستجيء في موعدها المقدور.
وعلى أية حال فقد انتهت المسيحية إلى أن تكون نحلة بغير شريعة. وهنا عجزت عن أن تقود الحياة الاجتماعية للأمم التي عاشت عليها. فقيادة الحياة الاجتماعية تقتضي تصورًا اعتقاديًا يفسر الوجود كله، ويفسر حياة الإنسان ومكانه في الوجود؛ وتقتضي نظامًا تعبديًا وقيمًا أخلاقية. ثم تقتضي - حتمًا - تشريعات منظمة لحياة الجماعة، مستمدة من ذلك التصور الاعتقادي، ومن هذا النظام التعبدي، ومن هذه القيم الأخلاقية. وهذا القوام التركيبي للدين هو الذي يضمن قيام نظام اجتماعي، له بواعثه المفهومة، وله ضماناته المكينة. . فلما وقع ذلك الانفصال في الدين المسيحي عجزت المسيحية عن أن تكون نظامًا شاملًا للحياة البشرية، واضطر أهلها إلى الفصل بين القيم الروحية والقيم العملية في حياتهم كلها، ومن بينهما النظام الاجتماعي الذي تقوم عليه هذه