بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ قَالَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ {سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ} قُلْنَا فِي أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ قَالَ فَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ خَاصٌّ قُلْنَا لَوْ كَانَ عَامًّا أَكَلْنَا ذَبَائِحَهُمْ وَنَكَحْنَا نِسَاءَهُمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) فَقَالَ فَفِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ حُكْمٌ وَاحِدٌ أَوْ حُكْمَانِ؟ قِيلَ بَلْ حُكْمَانِ قَالَ وَهَلْ يُشْبِهُ هَذَا شَيْءٌ؟ قُلْنَا نَعَمْ حَكَمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ فَإِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ غَيْرَ الْمَجُوسِ مِمَّنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَلَا نِسَاؤُهُ قِيَاسًا عَلَى الْمَجُوسِ قُلْنَا فَأَيْنَ ذَهَبْت عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} إلَى {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} فَإِنْ زَعَمْت أَنَّهَا وَالْحَدِيثَ مَنْسُوخَانِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ} قُلْنَا فَإِذْ زَعَمْت ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْك أَنْ تَكُونَ الْعَرَبُ مِمَّنْ يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابٍ قَالَ فَإِنْ قُلْت لَا يَصْلُحُ أَنْ تُعْطِيَ الْعَرَبُ الْجِزْيَةُ قُلْنَا أَوْ لَيْسُوا دَاخِلِينَ فِي اسْمِ الشِّرْكِ؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لَمْ أَعْلَمْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ مِنْهُمْ جِزْيَةً قُلْنَا أَفَعَلِمْت أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ جِزْيَةً مِنْ غَيْرِ كِتَابِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ؟ قَالَ لَا قُلْنَا فَكَيْفَ جَعَلْت غَيْرَ الْكِتَابِيِّينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قِيَاسًا عَلَى الْمَجُوسِ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ لَك قَائِلٌ بَلْ آخُذُهَا مِنْ الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا تَقُولُ لَهُ؟ قَالَ أَفَتَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا مِنْ عَرَبِيٍّ؟ قُلْنَا نَعَمْ وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ يَاخُذُوهَا حَتَّى السَّاعَةِ مِنْ الْعَرَبِ قَدْ صَالَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُكَيْدِرَ الْغَسَّانِيَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَصَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ وَالْيَمَنِ وَمِنْهُمْ عَرَبٌ وَعَجَمٌ.