ومن المؤسف أن ينتزع طالب العلم مسألة أو حكمًا مختصًا بجهاد الطلب ثم ينزله على جهاد الدفع! والكلام الآنف في فقرته الأولى كلام بعضه حق إلا أنه يختص بجهاد الطلب لا الدفع، وجهادنا اليوم هو من جهاد الدفع.
فقولهم أن الجهاد ماض إلى قيام الساعة صحيح ولا إشكال فيه، ولكن قولهم (على أنه لا بد من استيفاء أسبابه وتحقيق شروطه، وأن يتم النظر فيه من قبل أهل الرسوخ في العلم) كلام لا ينطبق على جهاد الأمة اليوم.
لأن جهاد الدفع لا يشترط له شروط جهاد الطلب، فكل شروط جهاد الطلب تسقط في حال جهاد الدفع - أي إذا داهم العدو بلاد المسلمين -، وإليك نقولات تدل على سقوط الشروط بالإجماع:
قال الكاساني في بدائع الصنائع 7/ 97 "فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد فهو فرض عين يُفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه لقوله سبحانه وتعالى: (انْفِرُوا خفافًا وثقالًا) (التوبة: من الآية41) ، قيل: نزلت في النفير، وقوله سبحانه وتعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم مِنَ الْأَعْرَابِ أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) (التوبة: من الآية9.) ، ولأن الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت، لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به، فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضًا على الكل عينًا بمنزلة الصوم والصلاة فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها، لأن منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عينًا مستثناه عن ملك المولى والزوج شرعًا، كما في الصوم والصلاة، وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه، لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة والله سبحانه وتعالى أعلم".