فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 865

أَبِي سُفْيَانَ يَعْنِي يَوْمَ الْأَحْزَابِ أَرَأَيْت إنْ جَعَلْت لَك ثُلُثَ ثَمَرِ الْأَنْصَارِ أَتَرْجِعُ بِمَنْ مَعَك مِنْ غَطَفَانَ أَوْ تُخَذِّلُ بَيْنَ الْأَحْزَابِ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ عُيَيْنَةُ إنْ جَعَلْت الشَّطْرَ فَعَلْت، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَمَا بَذَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. وَأَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ فِيهَا مَعْلُومَةً، لِأَنَّ مَا وَجَبَ تَقْدِيرُهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَلَوْ فَوْقَ عَشْرِ سِنِينَ لِأَنَّهَا تَجُوزُ فِي أَقَلِّ مِنْ عَشْرٍ فَجَازَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا كَمُدَّةِ الْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ عَقْدُهَا لِلْمَصْلَحَةِ فَحَيْثُ وُجِدَتْ جَازَ عَقْدُهَا تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ، وَإِنْ هَادَنَهُمْ مُطْلَقًا بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ لَمْ يَصِحَّ. لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي التَّابِيدَ وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ أَوْ هَادَنَهُمْ مُعَلِّقًا بِمَشِيئَةٍ كَمَا شِئْنَا أَوْ شِئْتُمْ أَوْ شَاءَ فُلَانٌ أَوْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ كَالْإِجَارَةِ وَلِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ.

14 -قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهَا، فَقِيلَ: إنَّهَا نَاسِخَةٌ لقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنْ الْمَيْلِ إلَى الصُّلْحِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إلَى الصُّلْحِ. وَقِيلَ: مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} . وَقِيلَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ. وَالْآيَتَانِ نَزَلَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْحَالِ. وَقِيلَ: إنَّ قوله تعالى {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} مَخْصُوصٌ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَالْأُخْرَى عَامَّةٌ. فَلَا يَجُوزُ مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ إذَا عَجَزْنَا عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ.

إذًا من خلال هذه النقول نلاحظ أن الدعوة إلى السلم جائزة وليست واجبة، إذا كان فيها مصلحة ظاهرة للإسلام وللمسلمين.

وإذا كان الأمر كذلك فكما قال الإمام القرطبي:

فَلَا يَجُوزُ مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ إذَا عَجَزْنَا عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت