الدِّينِ"وَعَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْ يَبْذُلَ مَجْهُودَهُ فِي الْخُرُوجِ بِنَفْسِهِ أَوْ يَبْعَثَ الْجُيُوشَ وَالسَّرَايَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَثِقُ بِجَمِيلِ وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى فِي نُصْرَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} فَإِذَا بَعَثَ جَيْشًا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلِأَنَّ بِهِ يَجْتَمِعُ كَلَامُهُمْ وَتَتَآلَفُ قُلُوبُهُمْ وَبِذَلِكَ يُنْصَرُونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} وَإِنَّمَا يُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَكُونُ صَالِحًا لِذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ حَسَنَ التَّدْبِيرِ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ وَرِعًا مُشْفِقًا عَلَيْهِمْ سَخِيًّا شُجَاعًا وَيُحْكَى عَنْ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ رحمه الله تعالى قَالَ: اجْتَمَعَ عُظَمَاءُ الْعَجَمِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ قَائِدَ الْجَيْشِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَشْرُ خِصَالٍ مِنْ خِصَالِ الْبَهَائِمِ شَجَاعَةٌ كَشَجَاعَةِ الدِّيكِ وَتَحَنُّنٌ كَتَحَنُّنِ الدَّجَاجَةِ وَقَلْبٌ كَقَلْبِ الْأَسَدِ وَرَوَغَانٌ كَرَوَغَانِ الثَّعْلَبِ أَيْ صَاحِبُ مَكْرٍ وَحِيلَةٍ وَغَارَةٌ كَغَارَةِ الذِّئْبِ وَحَذَرٌ كَحَذَرِ الْغُرَابِ وَحِرْصٌ كَحِرْصِ الْكُرْكِيِّ وَصَبْرٌ عَلَى الْجِرَاحِ كَالْكَلْبِ وَحَمْلَةٌ كَالْجَبْهَةِ وَسِمَنٌ كَمَا يَكُونُ لِدَابَّةٍ بِخُرَاسَانَ لَا تَهْزِلُ بِحَالٍ وَإِذَا أَمَّرَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوصِيَهُ بِهِمْ كَمَا بَدَأَ الْكِتَابُ بِبَيَانِهِ. وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهم قَالَ {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا بَعَثَ جَيْشًا أَوْ سَرِيَّةً أَوْصَى صَاحِبَهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ} فَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةِ فَالسَّرِيَّةُ عَدَدٌ قَلِيلٌ يَسِيرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ وَالْجَيْشُ هُوَ الْجَمْعُ الْعَظِيمُ الَّذِي يَجِيشُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم {: خَيْرُ الْأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَر أَلْفًا عَنْ قِلَّةٍ إذَا كَانَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً} وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ صَاحِبَ الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةِ بِالْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ يَجْعَلُهُمْ تَحْتَ أَمْرِهِ وَوِلَايَتِهِ فَيُوصِيهِ بِهِمْ وَفِي تَخْصِيصِهِ بِالْوَصِيَّةِ بَيَانٌ أَنَّ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ فَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ"