وَارْفُقُوا اللَّهُمَّ إلَّا مَنْ نَدَرَ مِنْ الْفُضَلَاءِ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَذَلِكَ مَحْمُودٌ، وَمَا نَدَرَ لَا يُحْكَمُ بِهِ. نَعَمْ إذَا وَقَعَ لِلْمَرْءِ هَذَا الْحَالُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ التَّشَبُّثُ بِمَا قَدْ ذُكِرَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ بَقِيَ مَعَ نَفْسِهِ فَشَانُهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَحْوَالِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ كَيْفَ كَانَ كَسْبُهُمْ، وَلِمَ اكْتَسَبُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ تَحَيَّرَ فِي طَرِيقِهِ، وَحَيَّرَ مَنْ لَاذَ بِهِ. هَذَا هُوَ عَيْنُ الْحِيرَةِ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ -، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَنَظَرُ الْأَعْلَى بِعَيْنِ الْأَعْلَى هُوَ السُّمُوُّ وَالرِّفْعَةُ. فَمِثَالُهُ الرَّجُلُ الْعَالِمُ يَنْظُرُ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَيَعْمَلُ عَلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ فَيَجْتَهِدُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ يَنْظُرُ لِمَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ فَيَجْتَهِدُ فِي التَّعَبُّدِ، وَيَزِيدُ فِي عَمَلِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِالرِّفْقِ، وَالسِّيَاسَةِ حَتَّى يَلْحَقَ بِمَنْ نَظَرَ إلَيْهِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ قَالَ: عليه الصلاة والسلام {خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ شَاكِرًا صَابِرًا أَنْ يَنْظُرَ فِي الدِّينِ لِمَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ فَيَقْتَدِيَ بِهِ، وَأَنْ يَنْظُرَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ فَيَحْمَدَ اللَّهَ الَّذِي فَضَّلَهُ عَلَيْهِ} هَذَا هُوَ السُّمُوُّ، وَالرِّفْعَةُ - اللَّهُمَّ مُنَّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ، وَلَا تَجْعَلْ حَظَّنَا مِنْهُ الْكَلَامَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ - وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَنَظَرُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى بِعَيْنِ الْأَعْلَى يُوجِبُ التَّعَبَ لَهُ، وَلِأَتْبَاعِهِ. فَمِثَالُهُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ، وَأَقَامَهُ اللَّهُ فِي مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِ أَهْلِ النِّهَايَاتِ إذَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى اللَّهِ، وَيَتُوبَ يُرِيدُ مِنْ حِينِهِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى الْمَقَامِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ سِيَاسَةٍ تَقَعُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا تَدْرِيجٍ هَذَا هُوَ التَّعَبُ مَعَ نَفْسِهِ لَا شَكَّ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى طَرِيقِهِ، وَهُمْ لَا يُسَاعِدُونَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ تَبِعَهُ فِي التَّعَبِ أَكْثَرُ ; لِأَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إلَى مَقَامٍ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السَّبْقِ، وَالْخَيْرِ اقْتَصَرَ خَيْرُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِمْ مَنْ لَاذَ بِهِمْ، وَبِخِدْمَتِهِمْ أَعْنِي فِي الِاقْتِدَاءِ. وَأَمَّا الْبَرَكَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهَا غَالِبًا لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ {هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ} - نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ بِمَنِّهِ - وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَنَظَرُ