، وَالْفِدَاءُ بِالْمَالِ أَوْ بِغَيْرِهِ يُنَافِي ذَلِكَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَنَقَلَةُ الْآثَارِ أَنَّ سُورَةَ بَرَاءَةٍ بَعْدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِيهَا نَاسِخًا لِلْفِدَاءِ الْمَذْكُورِ فِي غَيْرِهَا. قوله تعالى: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} قَالَ الْحَسَنُ:"حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ"وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:"خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَلْقَى الذِّئْبُ الشَّاةَ فَلَا يَعْرِضُ لَهَا وَلَا تَكُونُ عَدَاوَةٌ بَيْن اثْنَيْنِ"وَقَالَ الْفَرَّاءُ:"آثَامُهَا وَشِرْكُهَا حَتَّى لَا يَكُونَ إلَّا مُسْلِمٌ أَوْ مُسَالِمٌ"قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّاوِيلِ إيجَابُ الْقِتَالِ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مَنْ يُقَاتِلُ.
وَمِنْ سُورَةِ الْحَشْرِ بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} : [1]
قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ:"أَوَّلُ الْحَشْرِ جَلَاءُ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الْيَهُودِ، فَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ إلَى خَيْبَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ إلَى الشَّامِ"وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: {قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى صَالَحَهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ فَأَجْلَاهُمْ إلَى الشَّامِ، وَعَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتْ الْإِبِلُ مِنْ شَيْءٍ إلَّا الْحَلْقَةَ، وَالْحَلْقَةُ السِّلَاحُ.} قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ انْتَظَمَ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُصَالَحَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى الْجَلَاءِ عَنْ دِيَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ سَبْيٍ وَلَا اسْتِرْقَاقٍ وَلَا دُخُولٍ فِي الذِّمَّةِ وَلَا أَخْذَ جِزْيَةٍ، وَهَذَا الْحُكْمُ مَنْسُوخٌ عِنْدَنَا إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَى قِتَالِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ; أَوْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ} إلَى قَوْلِهِ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، وَقَالَ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ; فَغَيْرُ
(1) أحكام القرآن للجصاص - (ج 9 / ص 27)