هذا بيان لبعض آثار قدرته الشاملة الغامرة، أَي: هو الذي أَوجدكم كما شاءَ على فطرة سليمة وطريقة سوية مستقيمة يشير إِلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأَبواه يهودانه أَو ينصرانه أَو يمجسانه) .
(فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) أَي: فبعضكم مختار للكفر بالله وبنعمة ومقبل على الإِلحاد راض به وذلك يكون منه انتقاضا وخروجا وتمردا على الفطرة التي فطره الله عليها، وبعضكم مختار للإِيمان به - سبحانه - ينشرح به صدره ويطمئن قلبه وهذا من المؤمن استجابة لفطرة الله وخلقته وإِذعانا لمشيئته.
وفي الحق إِن كلًّا من كفر الكافر وإِيمان المؤمن بإِرادته - جل شأنه - فلا مكره له إِذ هو الخالق والموجد لكل شيءٍ، وقال تعالى:(ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
فَاعْبُدُوهُ)ولكونه - جلت قدرته - عليمًا بما خلق فقد كتب على كلٍّ ما تختار، وتميل إِليه نفسه إِذ هو أَحكم الحاكمين (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فلا يكره أَحدًا على أَمر ويعاقبه عليه (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أَي: وهو - سبحانه - بأَعمال خلقه عليم علمًا تامًّا محيطًا لا يعتريه قصور ولا تشوبه شائبة من نقص؛ بل يجازي كلًّا بما يناسب ما قدّم في دنياه إِن خيرًا فخير وإِن شرًا فشر، وقدم الكافر على المؤمن لكثرة الكافرين وقلة المؤمنين قال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) .
3 - {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) } :
أَي: أَوجد السماوات والأَرض جميعا بما فيهن ما ظهر لنا وبدا وما بطن وخفي، خلقها بالحكمة العظيمة والغرض الصحيح المتضمن للمصالح الدينية والدنيوية.