ومثال قسمة العقل أن الموجودات تنقسم إلى ما هو سبب وإلى ما هو مسبب والسبب فوق المسبب فوقية بالرتبة فالفوقية المطلقة ليست إلا لمسبب الأسباب وكذلك ينقسم الموجود إلى ميت وحي والحي ينقسم إلى ما ليس له إلا الإدراك الحسي وهو البهيمة وإلى ما له مع الإدراك الحسي الإدراك العقلي والذي له الإدراك العقلي ينقسم إلى ما يعارضه في معلوماته الشهوة والغضب وهو الإنسان وإلى ما يسلم إدراكه عن معارضة المكدرات والذي يسلم ينقسم إلى ما يمكن أن يبتلى به ولكن رزق السلامة كالملائكة وإلى ما يستحيل ذلك في حقه وهو الله سبحانه وتعالى وليس يخفى عليك في هذا
التقسيم والتدريج أن الملك فوق الإنسان والإنسان فوق البهيمة وأن الله عز وجل فوق الكل فهو العلي المطلق فإنه الحي المحيي العالم المطلق الخالق لعلوم العلماء المنزه المقدس عن جميع أنواع النقص فقد وقع الميت في الدرجة السفلى من درجات الكمال ولم يقع في الطرف الآخر إلا الله تعالى فهكذا ينبغي أن تفهم فوقيته وعلوه
فإن هذه الأسامي وضعت أولا بالإضافة إلى إدراك البصر وهو درجة العوام ثم لما تنبه الخواص لإدراك البصائر ووجدوا بينها وبين الأبصار موازنات استعاروا منها الألفاظ المطلقة وفهمها الخواص وأدركوها وأنكرها العوام الذين لم يجاوز إدراكهم عن الحواس التي هي رتبة البهائم فلم يفهموا عظمة إلا بالمساحة ولا علوا إلا بالمكان ولا فوقية إلا به فإذا فهمت هذا فقد فهمت معنى كونه فوق العرش لأن العرش أعظم الأجسام وهو فوق جميع الأجسام والموجود المنزه عن التحديد والتقدر بحدود الأجسام ومقاديرها فوق الأجسام كلها في الرتبة ولكن خص العرش بالذكر لأنه فوق جميع الأجسام فلما كان فوقها كان فوق جميعها وهو كقول القائل الخليفة فوق السلطان تنبيها به على أنه إذا كان فوقه كان فوق جميع الناس الذين هم دون السلطان