من بلاد شتى غزونا أرض العدو فاستأسرونا كلنا، فاعتزل بنا لتضرب أعناقنا، فنظرت إلى السماء، فإذا سبعة أبواب مفتحة عليها سبع جوار من الحور العين في كل باب جارية، فقدم رجل منا فضربت عنقه، فرأيت جارية في يدها منديل قد هبطت إلى الأرض، فضربت أعناق الستة وبقيت أنا، وبقي باب وجارية، فلما قدمت لتضرب عنقي استوهبني بعض خواس الملك، فوهبني له، فسمعتها تقول: بأي شيء فاتك هذا يا محروم؟ وأغلقت الباب، فأنا يا أخي متحسر على ما فاتني قال قاسم بن عثمان: أراه أفضلهم لأنه رأى ما لم يروا وترك يعمل على الشوق.
ومنهم سيدي أبو بكر دلف بن جحدر الشبلي: كان جليل القدر مالكي المذهب، عظيم الشأن. صحب الجنيد، ومن في عصره، وكان يبالغ في تعظيم الشرع المطهر، وكان إذا دخل شهر رمضان المعظم جد في الطاعات، ويقول: هذا شهر عظمه ربي، فأنا أولى بتعظيمه. وسئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: خير عمل المرء كسب يمينه، فقال: إذا كان الليل، فخذ ماء وتهيأ للصلاة، وصل ما شئت، ومد يديك، وسل الله عز وجل، فذلك كسب يمينك، ولما حج ورأى مكة المشرفة شرفها الله تعالى وقع مغشيا عليه، فلما أفاق أنشد يقول:
هذه دارهم وأنت محبّ ... ما بقاء الدموع في الآماق
وروي أنه قال: كنت يوما جالسا، فجرى في خاطري أني بخيل، فقلت: مهما فتح الله عليّ به اليوم أدفعه إلى أول فقير يلقاني، قال: فبينما أنا متفكر إذ دخل عليّ شخص ومعه خمسون دينارا، فقال: اجعل هذه في مصالحك، فأخذتها وخرجت، وإذا أنا بفقير مكفوف بين يدي مزين يحلق رأسه، فتقدمت إليه وناولته الصرة، فقال لي: ادفعها للمزين، فقلت له: إنها دنانير، فقال: إنك لبخيل، قال: فناولتها للمزين، فقال المزين: إن من عاداتنا أن الفقير إذا جلس بين أيدينا لا نأخذ منه أجرا، قال: فرميتها في الدجلة، وقلت: ما أعزك أحد إلا أذله الله تعالى.
ومنهم سيدي زرقان بن محمد أخو ذي النون المصري صاحب سياحة كان بجبل لبنان.
حكي عن يوسف بن الحسين الرازي قال: بينما أنا بجبل لبنان أدور إذ أبصرت زرقان أخا ذي النون المصري جالسا على عين ماء وقت صلاة العصر، فسلمت عليه وجلست من ورائه، فالتفت إليّ وقال: ما حاجتك؟
فقلت: بيتا شعر سمعتهما من أخيك ذي النون المصري أعرضهما عليك، فقال: قل. فقلت سمعته يقول:
قد بقينا مذبذبين حيارى ... نطلب الوصل ما إليه سبيل
فدواعي الهوى تخفّ علينا ... وخلاف الهوى علينا ثقيل
فقال زرقان ولكني أقول: